رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

تحية إلي راقصة

 بقلم: إدوارد سعيد

 

ولدت تحية كاريوكا فى 22 فبراير 1919 بمحافظة الإسماعيلية، وتوفيت فى 20 سبتمبر 1999، واحتفالًا بمئوية ميلادها لم نجد ما هو أروع من مقال المفكر الكبير إدوارد سعيد الذى نشره فى بداية التسعينيات من القرن العشرين، لنعيد نشر أجزاء منه تقديرًا لهذه الفنانة التى تجاوزت بالرقص الشرقى حدود معناه ومفهومه المتعارف عليه لسنوات طويلة ليصبح فنًّا معتبرا، حتى يمكن القول باطمئنان إن كاريوكا غيرت نظرة المجتمع للراقصة.

 

                          

ورغم أن سن كاريوكا وقت نشر المقال هو 70 عامًا  إلا أن سعيد أشار فى المقال إلى أن عمرها 75 عامًا .. ربما تشككًا فى تاريخ ميلادها المتداول. 

 

انتهت مسيرة مصابنى كراقصة مع الحرب العالميّة الثانية، وكانت وريثتها وتلميذتها الحقيقيّة تحيّة كاريوكا، التى هى، فى نظرى، أروع راقصة شرقيّة على الإطلاق. وعلى الرغم من أن كاريوكا قد بلغت اليوم الخامسة والسبعين من عمرها، فإنّها لا تزال فاعلة كممثلة ومناضلة سياسيّة فضلا عن بقائها، شأن أم كلثوم، رمزًا بارزًا من رموز الثقافة الوطنيّة. فأم كلثوم غنّت فى حفل زفاف الملك فاروق فى العام 1936، وكانت تلك الحفلة الباذخة ذاتها أوّل ظهور لتحيّة وقد جلبت لها شهرة لم تفقدها بعد ذلك أبدًا. 

وفى عزّها كراقصة فريدة، كانت تحيّة كاريوكا تجسيدًا لضربٍ من الإثارة بالغ الخصوصيّة، مما جعلها أنعم الراقصات وأبعدهن عن التصريح، كما جعلها فى الأفلام المصريّة نموذجًا واضحًا أشدّ الوضوح لـ Femme fatal، وحين عُدت إلى عدد من الأفلام التى مثّلتها بين أوائل الأربعينيات وعام 1980م وجدت 190 فيلمًا، وحين سألتها فى القاهرة ربيع 1989 عن هذه الأفلام، لم تستطع أن تتذكر الرقم الفعلى لكنّها قدرت أن يكون المجموع أكثر من 200، ولا يكاد يخلو فيلم من أفلامها الأولى من رقصة على الأقل.

                              

لقد قدّمت تحيّة مثل هذه المشاهد، لكنّها لم تكن أكثر من مسودات مُختصرة وغير مصقولة لما كانت تُقدّمه فى الكباريهات من عروضٍ كاملة، كنتُ قد شاهدتُ واحدًا منها وسيظلّ حيّا يُجفل ذاكرتى ما حييت. كان ذلك فى العام  1950، وكان زميلٌ لى مُغامر من زملاء المدرسة قد اكتشف أنّها ترقص فى كازينو بديعة المكشوف فى الجيزة على النيل (حيث يقوم فندق الشيراتون الشاهق)، واشترينا البطاقات، ووصلنا إلى هناك فى المساء المُحدّد قبل ساعتين على الأقلّ من الوقت الذى يُفترض أن تبدأ به، أربعة فتيان مُرتبكون فى الرابعة عشرة من عمرهم. كان حرّ النهار فى ذلك اليوم الحزيرانى قد تحوّل إلى عشيّة مُنعشة عليلة النسمات. وحين أُطفئت الأنوار إشارة إلى دور النجمة، كان كازينو بديعة مُمتلئًا تمامًا، وكانت طاولاته التى يزيد عددها على الأربعين قد ازدحمت بجمهورٍ مصرى من غواة الطبقة الوسطى. أما شريك تحيّة فى تلك الأمسية فكان المُطرب عبد العزيز محمود.

تواصلت هذه الأغنية خمسين دقيقة على الأقل قبل أن تظهر تحيّة فجأةً على بعد بضعة أقدام خلف كرسى المطرب. كنّا جالسين فى أبعد الأماكن عن المنصّة، لكن البذلة الزرقاء الوامضة المتلألئة التى كانت ترتديها خطفت أبصارنا، فيا لذلك اللمعان فى التّرتِر، ويا لوقفتها الهادئة المضبوطة وهى تقفُ هناك واثقة تماما. إنّ جوهر فن الرقص العربى التقليدى، شأن مصارعة الثيران، ليس فى كثرة حركات الراقصة وإنّما فى قلّتها: وحدهن المبتدئات، أو المُقلّدات البائسات من يونانيّات وأمريكيّات، من يُواصلن الهزهزة والنطنطة الفظيعة هنا وهنا ما يُحسب «إثارة» وإغراءً حريميّا. فالهدف يتمثّل فى إحداث أثر عن طريق الإيحاء أساسًا (إنما ليس حصرًا على الإطلاق)، وذلك عبر سلسلة من الحوادث المُترابطة معا بصيغٍ مُتعاقبة، أو موتيفات متكرّرة، على ذلك النحو من التوليف الكامل الذى قدّمته تحيّة فى تلك الليلة. فموتيف تحيّة الأساسى، بالنسبة لـ«منديل الحلو»، هو علاقتها بعبدالعزيز محمود الذى كان غافلا عنها إلى حدّ بعيد. فكانت تنزلق من ورائه، فيما هو يدندن برتابة، فتبدو كما لو أنّها ستقع بين يديه، مُقلّدة إياه وهازئة منه، كل ذلك من غير أن تلمسه البتّة أو تستثير ردّة فعله.

 

                               

كانت أُحجيتها الشفّافة تتدلّى فوق البكينى المحوّر الذى يُشكّل جزءا أساسيّا من بذلتها دون أن يكون أبدا مصدر جاذبيّتها الأساسى. فجمال رقصها يكمن فى تكامله: فيما تُخلّفه من شعورٍ بجسدٍ مُذهل فى لدانته وحُسنه يتماوج من خلف عدّة معقدة من الزينة المؤلفة من الشرائط، والأحجية والعقود، وسلاسل الذهب والفضّة، التى تبعث حركاتُ تحيّة فيها الحياة على نحوٍ مُتعمّد وعلى نحوٍ مُفترض فى بعض الأحيان. قد تلجأ بعض الراقصات إلى الحركة البهلوانيّة، أو التزلّق على الأرض، أو التعرّى الخفيف، أما تحيّة فلا. فرشاقتها وأناقتها توحيان بما هو كلاسيكى تماما بل ومهيب. والمفارقة أنّها كانت ملموسة وقريبة كما كانت نائية، لا تُطال، ولا تُنال فى آنٍ معا. وفى عالم الكبت الشديد الذى كنّا نعيشه كانت تلكم الصفات تعزّز الانطباع الذى خلّفته تحيّة. وأذكر على وجه الخصوص أنّها ما إن بدأت ترقص حتّى ارتسم على وجهها ما بدا وكأنه بسمة صغيرة مستغرقة فى ذاتها لازمتها طوال العرض، وكان فمها مفتوحا أوسع مما تكون عليه البسمة فى العادة، كما لو أنّها مختلية بنفسها تتأمّل جسدها وتستمتع بحركاته. لقد طغت تلك البسمة على كلّ بهرجة مسرحيّة مُتكلّفة فى المشهد أو فى رقصها، فنقّتهما بما انطوت عليه من تركيز مفروض على أفكارها العميقة والشاردة. بل إنّنى ما من مرة رأيتها ترقص فى الأفلام الخمسة والعشرين أو الثلاثين التى شاهدتها لها، إلا وكنتُ أعثر على تلك البسمة، مضيئة الخلفيّة التى عادة ما تكون سخيفة مُتكلّفة. بسمتها نقطةٌ ثابتةٌ فى عالمٍ قُلّب.

لا تنتمى تحيّة إلى ثقافة الفتيات الرخيصات أو النساء الساقطات التى يَسهلُ تعريفها، بل إلى عالم النساء التقدميّات اللاتى يتفادين الحواجز الاجتماعيّة أو يُزلنها ،فقد ظلّت تحيّة مرتبطة بمجتمع بلادها ذلك الارتباط العضوى، نظرا لما اكتشفته لنفسها كراقصة ومحييةٍ للحفلات من دور آخر أكثر أهميّة، إنّه دور العالمة الذى كاد أن يُنسى والذى تحدّث عنه زوار الشرق الأوروبيّون فى القرن التاسع عشر مثل إدوارد لين وفلوبير. فقد كانت العالمة ليست مجرد محظيّة من المحظيات، إنّما امرأة ذات مآثر بارزة. ولم يكن الرقص سوى واحدة من مواهبها الكثيرة: كالقدرة على الغناء وتلاوة القصائد، وطلاوة الحديث، وسعى رجال القانون والسياسة والأدب إلى رفقتها.

ولقد أُشير إلى تحيّة باسم العالمة فى أفضل فيلم لها، ألا وهو «لعبة الست» (1946) الذى كان أيضا من بطولة نجيب الريحانى، أعظم الممثلين والكوميديين العرب فى القرن العشرين، ذلك المزيج المُذهل من شابلن وموليير. ففى ذلك الفيلم تلعبُ تحيّة دور راقصة شابّة موهوبة وذكيّة، يستخدمها أهلها الأنذال للإيقاع بالرجال الأغنياء. أمّا الريحانى، الذى يلعب دور موظف عاطل عن العمل، فمُغرمٌ بها وهى تحبّه بدورها، لكنها تُدفع من قبل والديها إلى مكيدة تجلب لها الثراء بالإيقاع بثريّ لبنان. وفى النهاية تعود تحيّة إلى الريحانى فى خاتمة عاطفية كثيرا قلّ أن سمحت بها بقيّة أفلامها الأخرى. وهى تؤدّى فى هذا الفيلم رقصة قصيرة ومثيرة إلى حدّ الإدهاش، غير أنّ المراد لهذه الرقصة هو أن تكون أمرا ثانويّا تقريبا بالقياس إلى فطنة تحيّة، وذكائها، وجمالها.

ويبدو أنّ المُخرجين قد دأبوا بعد ذلك الفيلم على تثبيت تحيّة فى نسخة أشدّ رداءة من هذا الدور، الذى راحت تعيده فيلما بعد فيلم. فهى المرأة الأخرى، نقيض البطلة الفاضلة، المقبولة محليّا، والأقل إثارة بكثير. غير أنّ مواهب تحيّة تُشعّ حتى ضمن تلك الحدود. 

ثم يستطرد إدوارد سعيد قائلا: فى عام 1988علمتُ أنها كانت فى أثينا مع مجموعة من الفنانين والمثقفين المصريّين والعرب الذين عزموا على ركوب «سفينة العودة» فى رحلة إياب رمزيّة إلى الأراضى المقدسة. وبعد أسبوعين من الحظوظ العاثرة المتوالية فجّرت المخابرات الإسرائيليّة السريّة ذلك القارب وتمّ التخلّى عن المشروع. وسمعت بعد ذلك أن تحيّة قد برزت أيضا كواحدة من قادة نقابة ممثّلى السينما ومخرجيها ومصوّريها، وهى نقابة متقدّمة كثيرا من الناحية السياسيّة وشديدة الجهر بآرائها. فما هى إذن حقيقة هذه الراقصة التى بلغت الآن الخامسة والسبعين من عمرها والتى تبوأت موقعا رفيعا يكاد يكون مؤسساتيا فى ثقافة مرحلة ما بعد السادات فى مصر أواخر القرن العشرين؟.

 

                              

لقد ضربتُ موعدا مع تحيّة من خلال صديقتها نبيهة لطفى مخرجة الأفلام التسجيليّة. فإذا بها تعيش فى شقّة صغيرة على بعد شارعٍ من المكان الذى رأيتها ترقص فيه منذ أربعين عاما. ورحّبت بى وبنبيهة بنُبلٍ مهيب لم أتوقعه. كانت ترتدى ثوبا أسود قاتما، وتضع ماكياجا حسنا، لكنها كانت تُغظى ذراعيها وساقيها بكمّين طويلين وجوربين غامقين مثل أيّ مسلمة تقية. كانت أقلّ ضخامة ممّا رأيتها فى السابق، ولم يبدُ عليها أيّ ابتذال، ولقد أوحت بثقلٍ وسلطة ينبعان من كونها أكثر بكثير من مجرّد راقصة سابقة. لعلّها أسطورة حيّة، أو حكيمٌ شهير: العالمة شبه المتقاعدة، وراحت نبيهة تناديها بـ «الحاجة» وهو النعت الإسلامى الذى يُطلق على النساء الكهلات اللاتى حججن إلى مكّة، وما عزّز هذه التسمية لم يقتصر على مظهر تحيّة الوقور إلى أبعد الحدود بل تعدّاه إلى صور مكّة الكثيرة المعلّقة على الجدار والمصحف الذى تسهل رؤيته على الطاولة القريبة. وإذ جلسنا نتجاذب أطراف الحديث، راحت حياتها تمرّ أمامنا فى استعراضٍ مهيب.  فهى تنحدر من عائلة من الإسماعيليّة لها باعٌ طويل فى السياسة، واسمها الحقيقى هو تحيّة محمد كريم. وكان البريطانيّون قد قتلوا عمّها، كما حمل ثلاثة على الأقل من أفراد عائلتها اسم نضال، كما قالت تحيّة بافتخار. أما أبوها فقد اُعتُقل لبعض الوقت. وبدا فى تحيّة شىءٌ من «طرطوف»، وهى تصف مشاعرها حيال الرقص- قالت إنّها تحسّ كأنّها فى معبد- غير أن ذلك تبدّد وهى تحكى عن قناعاتها بأن رقصها كان يتخطّى إثارة الرجال كما تفعل بعض الفنانات، وقالت باقتناع مطلق: «حياتى، كراقصة، كانت حلوة، وأنا أحبّها». ولقد عدّت تحيّة نفسها - محقّة، كما أرى- جزءا من نهضة ثقافية كبرى، من حركة إحياء وطنى فى الفنون قامت على حركة سعد زغلول الاستقلاليّة الليبراليّة وثورته فى العام 1919، حيث ضمّت الوجوه الفنيّة لهذه النهضة كُتابا مثل نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وطه حسين، ومغنين مثل أم كلثوم وعبدالوهاب، وممثلين مثل سليمان نجيب والريحانى.

..............................................

 Femme fatal بالفرنسية هى المرأة الفاتنة    

 

 (طرطوف): شخصية رسمها موليير فى مسرحية له بنفس الاسم، وهى شخصية ترمز إلى النفاق والنفعية.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg