رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

بقلم : د. عماد أبو غازى«سعد باشا...سيرة زعيم»

    بقلم : د. عماد أبو غازى:«سعد باشا...سيرة زعيم»

 

تم تعيينه قاضيا بمحكمة الاستئناف أعلى المحاكم المصرية فى ذلك الوقت ١٨٩٢ 

 

 نحتفل هذا العام بالمئوية الأولى لثورة 1919؛ ودومًا ما يثار فى الأحداث الكبرى السؤال المشروع عن دور الفرد القائد ودور الجموع فى صنع الحدث، وعند الحديث عن ثورة 1919؛ فإننا نقف أمام حراك شعبى واسع استمر على مدى سنوات أربع، وأمام زعامة نجحت فى أن تلتقط اللحظة التاريخية وتقود حركة الجماهير.
 

 

وإذا كانت زعامة سعد لم تبدأ إلا فى عام 1918 فإن دوره فى العمل العام وأنشطته الاجتماعية والسياسية سابقة على ذلك التاريخ بسنوات عديدة، منذ التقى بالشيخ محمد عبده فى أثناء دراسته، ثم أخذ يتردد على مجالس جمال الدين الأفغاني، وأسهم الرجلان فى تكوين ثقافة سعد وشخصيته فى شبابه. 

وقد لفت ذكاء سعد نظر أستاذه محمد عبده فاختاره للعمل معه محررًا بالقسم الأدبى «بالوقائع المصرية» عندما تولى رئاسة تحريرها عام 1880، وفى أعقاب هزيمة الثورة العرابية واحتلال الإنجليز لمصر، فصل سعد زغلول من وظيفته لاتهامه بمشايعة الثورة، ثم قامت السلطات باعتقاله مع آخرين بتهمة تشكيل جمعية سرية باسم «جماعة الانتقام»، ولم يثبت الاتهام ضده فأفرج عنه بعد عدة شهور.

 ثم اتجه سعد زغلول إلى العمل فى المحاماة وبرع فيها، وأصبح من أشهر المحامين فى مصر لما عرف عنه من قدرة على المرافعة وأمانة فى العمل، ثم عين فى سنة 1892 قاضيًا بمحكمة الاستئناف، وكانت أعلى المحاكم المصرية درجة فى ذلك الوقت؛ وخلال عمله فى القضاء درس سعد القانون دراسة نظامية وحصل على إجازة الحقوق من جامعة باريس بدرجة متفوقة، فأضاف إلى خبرته العملية دراسة قانونية.

                                                             

وفى سنة 1906، وفى إحدى محاولات سلطات الاحتلال البريطانى للتخفيف من الآثار السلبية لحادث دنشواى، تم تعيين سعد زغلول وزيرًا للمعارف، وكانت المعارف من الوزارات الخاضعة لسلطة الاحتلال من خلال دنلوب المستشار البريطانى للتعليم؛ وقد لاقى هذا التعيين ارتياحًا من جانب الحركة الوطنية المصرية عبر عنه مصطفى كامل فى مقال له بجريدة اللواء فى 28 أكتوبر سنة 1906 تحت عنوان «سعد بك زغلول وزير المعارف» جاء فيه:

«لما قابل جناب اللورد كرومر أول البارحة سمو الخديو المعظم فى سراى رأس التين عرض عليه تعيين سعادة سعد بك زغلول المستشار بمحكمة الاستئناف الأهلية وزيرًا للمعارف المصرية، فارتاح سمو الخديو لهذا الطلب لما يعهده فى سعادة سعد بك من الفضل والعلم والأخلاق القويمة، وأن ما يعرفه الناس فى أخلاق وصفات سعد بك زغلول وهو فى المحاماة أولًا، وفى القضاء ثانيًا، يحملهم جميعًا على الارتياح لهذا التعيين الذى صادف مصريًا مشهورًا بالكفاءة والدراية والعلم الغزير، وحب الإنصاف والعدل، ولكن لما كانت الوزارة من سنوات مضت إلى اليوم منصبًا لا عمل فيه، وكان المستشارون الإنجليز أصحاب السيطرة التامة فى النظارات، حق للناس أن يتساءلوا عما يعمله سعد بك زغلول فى وزارة المعارف، هل يكون كبقية الوزراء- أمره وأمر المعارف بيد المستر دنلوب-؟ أم يكون وزيرًا اسمًا وعملًا ويحيى سلطة الوزراء المصريين؟ اللهم إننا عرفنا سعد بك زغلول فى ماضيه وحاضره أشد الناس تمسكًا باستقلاله وحقوقه، وأكثرهم انتقادًا على الذين تركوا سلطة مناصبهم لغيرهم... فإذا بقى سعد بك فى وظيفته الجديدة كما هو وكما كان - وهو كما نعتقد - أملنا خيرًا كبيرًا للمعارف، ورجونا سريان هذه الروح إلى بقية النظار وعودة «الحياة المصرية» إلى الوزارة...».

وطوال ست سنوات شغل فيها سعد المناصب الوزارية اختلف الناس حول كثير من مواقفه، فأيده البعض وانتقده آخرون، خاصة فى صحافة الحزب الوطني؛ لكن الأمر الذى يتفق عليه الجميع أن سعد زغلول فى أثناء توليه وزارتى المعارف ثم الحقانية حقق بعض الإنجازات المهمة مثل استئناف إرسال البعثات إلى معاهد العلم فى أوروبا، وإنشاء مدرسة القضاء الشرعى ووضع مشروع قانون المحاماة الذى أنشئت بموجبه بعد إقراره نقابة المحامين، كذلك اصطدم سعد زغلول غير مرة بالمستشار البريطانى دنلوب الذى كان يسيطر على وزارة المعارف، أما أهم المواقف التى تحسب لسعد زغلول خلال توليه الوزارة استقالته من وزارة محمد سعيد باشا؛ وقد كان السبب الرئيسى لاستقالة سعد زغلول من الوزارة فى مارس سنة 1912، قرار تحريك الدعوى العمومية ضد محمد فريد بتهمة التحريض على كراهية الحكومة دون مشاورته أو أخذ رأيه.

وعندما أنشئت الجمعية التشريعية فى سنة 1913 لتكون مجلسًا شبه نيابي، تقدم سعد زغلول للانتخابات فى دائرتى الخليفة وبولاق بالقاهرة وفاز فيهما بتأييد ودعم من الحزب الوطنى؛ وأصبح سعد الوكيل المنتخب للجمعية التشريعية، وخلال الفصل التشريعى الأول والأخير للجمعية التشريعية برز صوت سعد كخطيب مفوه يدافع عن حقوق الأمة، ونالت مواقفه تأييد ودعم كل القوى الوطنية فى مصر.

 

                                                             

وخلال سنوات الحرب العظمى اختار سعد الصمت، ليعود صوته فور إعلان انتهائها مطالبًا بحقوق الأمة، وليصبح زعيمًا لمصر وقائدًا لثورتها التى تفجرت يوم 9 مارس 1919 احتجاجًا على نفى سعد ورفاقه إلى مالطا؛ ثم لنضاله الوطنى وسعيه من أجل الاستقلال والدستور طوال تسع سنوات حتى وفاته فى 23 أغسطس سنة 1927.

 
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg