رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

د.عماد أبو غازى يكتب لــــ"ديوان الأهرام"نقطة الانطلاق نحو ثورة 1919

 

 

نقطة الانطلاق نحو ثورة 1919

  • احتفل به المصريون سنويا عيداً للجهاد الوطنى منذ 1919 حتى يوليو 1952
  •  
  • محمود مختار يسجل أحداث اليوم على قاعدة تمثال سعد زغلول بالإسكندرية 
عندما نقف عند تمثال سعد زغلول القائم فى محطة الرمل بالإسكندرية، سنشاهد جداريتين من النحت البارز على جانبى قاعدة التمثال، تجسدان بعض الأحداث الفارقة التى شهدتها ثورة 1919. 
 لقد كلفت الحكومة الائتلافية محمود مختار عقب وفاة سعد زغلول فى أغسطس 1927 بعمل تمثالى ميدان لسعد، واحد فى القاهرة والثانى فى الإسكندرية فى سياق خطة إحياء ذكرى الزعيم الوطنى الكبير، وفكر مختار فى أن يجعل من التمثالين ملحمة نحتية تؤرخ للثورة وأحداثها وقيمها ومبادئها، لا مجرد تمثالين شخصيين لسعد؛ فاستخدم قاعدتى التمثالين لتحقيق هدفه. 

 

 

  وفى تمثال الإسكندرية سجل مختار فى واحدة من الجداريتين ما حدث يوم 13 نوفمبر سنة 1918؛ إنه يوم يحمل ذكرى مناسبة وطنية من أهم المناسبات فى تاريخنا الحديث، إنها ذكرى ذلك اليوم الذى عرفه المصريون لسنوات باسم عيد الجهاد الوطنى وهى المناسبة التى ظلت مصر كلها تحتفل بها منذ عام 1919 حتى يوليو 1952، ولهذا اليوم قصة ودلالات فى تاريخ مصر تستحق أن تعرفها الأجيال وتعيها، لقد كان يوم 13 نوفمبر 1918 الذى تقترب الذكرى المئوية الأولى له حدثًا من الأحداث الفارقة فى التاريخ المصرى، لقد كان ذلك اليوم بمثابة نقطة الانطلاق للثورة المصرية؛ ثورة 1919، الثورة الكبرى فى تاريخنا فى القرن العشرين؛ لقد كان اليوم يومًا تغير فيه وجه التاريخ فى مصر، كان يومًا له ما بعده؛ فما الذى حدث فى هذا اليوم؟

 

 ترجع القصة إلى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الأولى التى استمرت من سنة 1914 إلى سنة 1918، فرغم أن الحرب كانت بين القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى فى ذلك الوقت، إلا أن مصر اكتوت بنارها وكانت ساحة من ساحاتها العسكرية، فعلى أرض سيناء وجبهة قناة السويس اندلعت المعارك بين القوات البريطانية التى كانت تحتل مصر منذ عام 1882 والقوات التركية التى كانت تعتبر مصر جزءًا من الدولة العثمانية منذ أربعمائة سنة سابقة على هذا التاريخ، كذلك عانى المصريون من وطأة الأحكام العرفية التى فرضتها قوات الاحتلال على مصر عقب عزل الخديو عباس حلمى وتعيين حسين كامل سلطانًا على البلاد تحت الحماية البريطانية، كما عانوا كذلك من تسخيرهم وتسخير موارد البلاد وثرواتها لخدمة المجهود الحربى البريطانى، وهى الحالة التى عبرت عنها ببلاغة كلمات أغنية "يا عزيز عينى" التى لحنها وغناها سيد درويش، وقد تحمل المصريون هذه المعاناة تحت ضغط الجبروت العسكرى لجيوش الاحتلال وكلهم أمل فى أن تزول الغمة ويزول الاحتلال بنهاية الحرب.

 وفى صيف 1918 بدا واضحًا أن كفة الحلفاء (إنجلترا وفرنسا وإيطاليا ومعهم الولايات المتحدة) هى الراجحة، وأن النصر من نصيبهم، وبالفعل فى يوم 11 نوفمبر سنة 1918 سكتت المدافع على جميع الجبهات، وانتهت الحرب العالمية الأولى بانتصار الحلفاء، انتصارًا كاملًا على دول المحور بقيادة ألمانيا، توقفت الحرب بعد أربع سنوات وبضعة أشهر عرف فيها العالم ويلات لم يعرفها فى تاريخه من قبل.

كان المصريون ينتظرون نهاية الحرب حتى تنتهى معاناتهم من حرب لم يكونوا طرفًا فيها، سقط فى المعارك شهداء من المصريين، وصادرت سلطة الاحتلال دوابهم ومحاصيلهم لصالح المجهود الحربى، وتحملت الخزانة المصرية ثلاثة ملايين ونصف مليون جنيه دعمًا لبريطانيا العظمى فى حربها، لكنهم أيضًا كانوا ينتظرون على أمل أن ينتهى الاحتلال البريطانى لمصر مع نهايتها مثلما انتهى الحكم العثمانى مع بدايتها.

كانت آمال المصريين تستند إلى ما قدموه من دعم لبريطانيا أثناء الحرب، كما كانت تستند إلى الوعود البريطانية، فقد جاء فى رسالة الحكومة البريطانية إلى السلطان حسين كامل عند تنصيبه مكان الخديو عباس حلمى الثانى: "قد أصبح من الضرورى الآن وضع شكل للحكومة التى ستحكم البلاد بعد تحريرها"، كما تضمنت وعدًا بالنظر فى نظام الامتيازات الأجنبية بعد انتهاء الحرب، ومع اقتراب نهاية الحرب بدأ التفكير جديًا فى نظام جديد لإدارة البلاد، وقد وضع بالفعل السير وليم برونيت المستشار المالى البريطانى مشروعًا لقانون نظامى لمصر، لكن النخبة السياسية المصرية رفضته تمامًا لأنه وضع مصر فى مرتبة المستعمرات وحرمها من مجلس تشريعى منتخب، وكان أول من تصدى للمشروع حسين باشا رشدى رئيس الحكومة.

وفى عام 1917 أعلن الرئيس الأمريكى ويلسون مبادئه الأربعة عشر التى تضمنت حق تقرير المصير للشعوب، وقد أحيت هذه المبادئ الآمال فى نفوس المصريين، فقد تصوروا أن الدول المنتصرة سوف تلتزم بهذه المبادئ وتعمل بها بعد نهاية الحرب.

 ورغم إعلان الأحكام العرفية وفرض الرقابة على الصحف وتعطيل الجمعية التشريعية أثناء سنوات الحرب الأربعة، إلا أن الروح الوطنية كانت تنمو ببطء فى تربة هيأتها سنوات النضال الوطنى والديمقراطى منذ مطلع القرن، فقد كانت السنوات الأولى من القرن العشرين سنوات للبعث الوطنى ولتمهيد التربة من أجل المطالبة بالاستقلال والدستور بفضل التيارين الفاعلين فى الحركة الوطنية المصرية، تيار الحزب الوطنى وتيار حزب الأمة.

 ومع نهاية الحرب حدث ما لم يكن فى الحسبان وما لم تكن تتوقعه سلطات الاحتلال التى تصورت واهمة أن الهدوء الذى خيم على البلاد أثناء الحرب كان خنوعًا من المصريين وقبولًا للاحتلال، فقبل أن تنتهى الحرب اتفق سعد باشا زغلول الوكيل المنتخب للجمعية التشريعية وزعيم المعارضة بها وزميلاه عبد العزيز فهمى بك وعلى شعراوى باشا على أن يطلبوا من دار الحماية تحديد موعد لهم ليقابلوا السير رجنلد وينجت المندوب السامى البريطاني.

 وقبل أن تعلن الهدنة بساعات تقدم سعد ورفيقاه يوم الإثنين 11 نوفمبر بطلبهم إلى دار الحماية بوساطة من حسين باشا رشدى رئيس الوزراء، فاستجابت دار الحماية لطلبهم وحددت لهم موعدًا يوم الأربعاء 13 نوفمبر 1918 الساعة الحادية عشرة صباحًا.

 وبالفعل ذهبوا إلى دار المعتمد البريطانى وهو الحاكم الفعلى للبلاد، وقابلوه ودار بينهم حوار طويل استمر لمدة ساعة؛ طالبوا فيه بإنهاء حالة الأحكام العرفية والسماح لوفد يمثل المصريين بالسفر إلى باريس لحضور مؤتمر الصلح الذى كان سيحدد خارطة العالم الجديد بعد الحرب.

 وكان رد المعتمد البريطانى السير وينجت الرفض القاطع على أساس أنهم لا يحملون أى صفة تتيح لهم تمثيل مصر أو الحديث باسم المصريين.

وقد أورد المؤرخ عبد الرحمن الرافعى فى كتابه عن ثورة 1919 نصاً للحوار الذى دار بين الزعماء الثلاثة والمندوب السامى البريطاني، حيث طالب سعد زغلول بإلغاء الأحكام العرفية وإنهاء مراقبة الصحف والمطبوعات، تلك الرقابة التى ضاق بها المصريون...

 وقال سعد: "المصريون لهم الحق فى القلق على مستقبلهم"، وعندما رد عليه وينجت مطالبًا إياه والمصريين بعدم التعجل والنظر للعواقب البعيدة، علق سعد على مقولة وينجت بأنها عبارة مبهمة غير مفهومة.

 وقد وجه وينجت أثناء الحديث انتقادات لمحمد فريد ورجال الحزب الوطني، فأوضح على شعراوى باشا دوافع الحزب الوطنى فى اتخاذ المواقف المتشددة...

 وقال: "نريد صداقة الحر للحر لا العبد للحر"...

 عندها قال وينجت فى استنكار: "إذًا فأنتم تريدون الاستقلال"...

 فرد سعد: "ونحن أهل له"...

 حاول وينجت أن يقلل من شأن الشعب المصرى ومن قدرته على حكم نفسه بنفسه، مرة بالتأكيد على ضرورة التدرج فى الاستقلال، ومرة بحجة عدم أهلية المصريين، ومرة ثالثة بدعوى أمية المصريين، ومرة رابعة بالإشارة إلى موقع مصر الذى يجعلها مطمعًا للطامعين.

 ففند الزعماء الثلاثة دعواه الواحدة بعد الأخرى، وأكد عبد العزيز بك فهمى على مطالب الأمة قائلًا: "نحن نطلب الاستقلال التام"... وأكد على أن للحزب الوطنى وحزب الأمة هدفًا واحدًا وطريقين مختلفين للوصول إليه.

 بعد أن انتهى اللقاء توجه الزعماء الثلاثة إلى وزارة الداخلية لمقابلة حسين رشدى باشا فى مكتبه بالوزارة وأبلغوه بما دار فى اللقاء.

 وكان رشدى باشا قد أعد فى نفس اليوم خطابًا للسلطان أحمد فؤاد يستأذنه فيه السماح له ولعدلى يكن باشا بالتوجه إلى لندن للسعى نحو تحقيق استقلال مصر.

 وفى نفس اليوم أيضًا التقى رشدى بالسير وينجت، فتساءل الأخير كيف يتحدث ثلاثة رجال باسم الأمة؟.

 فعندما علم سعد من رشدى باشا بما دار فى لقائه مع وينجت اجتمع مع رفيقيه للتشاور فى أسلوب يثبت جدارتهم بتمثيل الأمة، فاتفقوا على تأليف هيئة تسمى الوفد المصرى فى إشارة إلى أنها وفد مصر للمطالبة باستقلالها، وأن تحصل هذه الهيئة على توكيلات من الأمة للحديث باسمها.

  لقد تصور وينجت أن الأمر انتهى عند هذا الحد، لكن ما حدث بعد ذلك كان ما لم يتوقعه وينجت، ولا حكومة بريطانيا العظمى التى يمثلها، ولا سلطان البلاد الجديد السلطان أحمد فؤاد الذى عينه الإنجليز قبلها بشهور بعد وفاة رجلهم السلطان حسين كامل.

  كان رد فعل الشعب المصرى ردا إيجابيًّا على دعوة سعد وأعضاء الوفد، كشف موقف المصريين عن روح الثورة التى ظلت كامنة لسنوات فى نفوسهم، لقد بدأت حملة لجمع التوقيعات على توكيل من أفراد الشعب المصرى فردًا فردًا لسعد زغلول ورفيقيه ليكونوا وكلاء عن الأمة المصرية فى حضور مؤتمر الصلح، وليشكلوا وفدًا يمثل مصر وشعبها هناك ويسعى من أجل الحصول على الاستقلال لمصر وعلى اعتراف المجتمع الدولى بهذا الاستقلال، خلال أسابيع قليلة اتسعت حملة جمع التوقيعات وشملت جميع طوائف الأمة وطبقاتها، وظهرت وحدة المصريين حول هدف واحد، وأصبح اسم "الوفد المصري" تعبيرًا عن طموح المصريين نحو استقلال بلادهم، وفشلت كل محاولات السراى والإنجليز ورجالهم فى نظارة الداخلية فى وقف حركة التوكيلات، وعندها كان القرار الذى فجر الثورة المصرية الكبرى ثورة 1919، قرار القبض على سعد زغلول وزملائه من رجال الوفد المصرى ونفيهم إلى مالطة فى 8 مارس 1919، وفى اليوم التالى مباشرة انفجر بركان الغضب المكبوت ليطيح بنظام قديم وقيم قديمة ويرسى أسس عصر جديد من السعى نحو الاستقلال التام والديمقراطية، لتبدأ حلقة جديدة من حلقات نضال المصريين من أجل الحرية.

 لقد كانت البداية من ذلك الحدث الذى وقع يوم الأربعاء 13 نوفمبر 1918، لذلك اعتبر المصريون هذا اليوم عيدًا للجهاد الوطنى ظلوا يحتفلون به كل عام، وفى احتفالهم إرساء لقيم ومبادئ مهمة تشكل دلالات هذا اليوم، أولاها أن الأمة هى مصدر السلطات وهى التى تفوض قادتها فى تمثيلها وتحاسبهم على ما يفعلون، وثانيتها أن مصر كيان مستقل قائم بذاته؛ فلا هى مستعمرة بريطانية ولا هى ولاية عثمانية، وثالثتها أن المصريين أمة واحدة لا فرق بينهم على أساس دين أو عقيدة أو جنس، تربط بينهم الرابطة الوطنية قبل الرابطة الدينية، ورابعتها أن استقلال مصر السياسى لا يتحقق بمعزل عن حرية المواطنين واحترام حقوقهم؛ والجدارية القائمة على قاعدة تمثال سعد فى الإسكندرية تسجل هذا الحدث.

 لقد كان يوم 13 نوفمبر 1918 يوم ميلاد الوفد المصرى أكبر وأهم أحزاب الموجة الحزبية الثالثة فى تاريخ مصر، والذى سيحتفل بمئويته فى نوفمبر من هذا العام، كما كان اليوم نقطة الانطلاق نحو ثورة 1919، التى سنحتفل بمئويتها الأولى فى العام القادم. 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg