رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

الشطرنج :لعبة الملوك والقادة .. والأدباء أيضًا

الشطرنج

  • الهند أصل اللعبة .. والعرب نقلوها لأوروبا
  • مخترع اللعبة طلب مكافأة عجزت عنها خزائن بلاده
  •  
  • السوفييت يحتكرون اللقب والأمريكان ينافسون من بعيد

الشطرنج واحدة من أقدم الألعاب التى عرفها الإنسان ولم يزل يمارسها حتى اليوم، ومن المدهش أن نعرف أن الشطرنج يزداد انتشارًا وشعبية فى عصرنا، وأنه تحول إلى رياضة عالمية لها جوائز بالملايين وأولمبياد يقام كل عامين، وأن كثيرًا من المؤسسات التعليمية، فى أمريكا وأوروبا والهند وجنوب أفريقيا، وطبعًا فى روسيا وكثير من بلاد الاتحاد السوفييتى السابق، تقر الشطرنج كأحد الأنشطة المدرسية بناءً على دراسات علمية تثبت فوائد ممارسته على الصغار عقليا ونفسيا وأخلاقيا.

 

 

شاعر «الأطلال» يتغنى بملك الشطرنج

إبراهيم ناجى ( 1898- 1953) هو أحد المجددين الكبار فى الشعر العربى خلال النصف الأول من القرن العشرين، وأحد أعضاء مدرسة "أبولو" الأدبية، كما كان قصاصًا ومترجمًا وباحثًا أدبيًا، بالإضافة إلى عمله كطبيب بشرى، وهو صاحب قصيدة "الأطلال" التى تغنت بها أم كلثوم، وتعتبر من أشهر وأروع أغانيها.

وكان ناجى أيضًا لاعب شطرنج ماهرا، وأحد الأسماء البارزة وسط تجمعات الشطرنجيين التى عرفتها مقاهى وحدائق وسط البلد، ولناجى قصائد خفيفة كثيرة عن الشطرنج رصد بعضها الكاتب ولاعب الشطرنج جبرائيل نصرة فى كتابه النادر "كنانة الشطرنجى العصرى" الصادر عام 1938.

يضم الكتاب عدة قصائد لناجى منها تلك القصيدة التى شاركه فى وضعها جبرائيل نصرة ويقول فيها:

                     

 

 

قائم بالبينات

لعب عزم وحساب

لعب صبر والتفات

لعب حرب فى سلام

بالجيوش الزاحفات

وتحت عنوان "سينما شطرنجية"يسرد جبرائيل نصرة وقائع جلسة شطرنج فى أحد مقاهى وسط القاهرة حضرها لفيف من محبى اللعبة بينهم ابراهيم ناجى:

"يرتفع الستار عن مجلس إخوان يلعبون أدوارًا، غير جدية، "للمباسطة وبس" ينشدون أشعارًا ويمزحون وينكتون بدون تكليف ولا "حفلطة" فالبساط أحمدى، وفيه المتسع لكل أنواع التفاخر الفاضى والتعاظم المليان كلام فارغ. والدور الآتى أحد هذه الأدوار "البهلوانية" وهو جدير بالإثبات تقليدًا لما غبر وقدوة لمن حضر، وعبرة لمن اعتبر!!".

يستمر الوصف لعدة صفحات ومع كل نقلة تعليق ونكتة ومقطع من قصيدة، وفى نهاية جلسة الشطرنج التى تابعها ناجى كمشاهد ومشجع لصديقه "نصرة" ينشد هذه الأبيات المرتجلة التى يختم بها المؤلف "سينماه الشطرنجية":

"ألا أنشد لنا قبل الرواح

حديث الجد يمزج بالمزاح

تعال الساحة الكبرى وقل لى

ألست ترى جيوشا فى البطاح

كتائب كم يحار الطرف فيها 

ويحسبها عواصف كالرياح

عيون لا تنام، فحين تغفى

 بيادقها فإن الرخ صاحى

وذا "فاروق" ظللنا لواء

وليس حمى الملوك بمستباح"

وفى "كنانة الشطرنجى العصرى" إشارة إلى زواج الملك فاروق وفريدة الذى تم فى 20 يناير من عام 1938، واحتفاء بهذا الزواج فى قصيدة أخرى لناجى بعنوان "المهرجان" يقول فيها:

"أيها الشاعر سجل بهجة اليوم الوسيم

اشحذ الفكر وقدم آية الحب المقيم

مصر شطرنج وفيها الشاه فاروق العظيم

انظر الأجناد تمشى تتبع الركب الفخيم

فى زفاف قد سقى القلب بأكواب النعيم

قل مع القوم الوفا عاش فاروق العظيم

 

حوله اسم "فريد" حل فى بيت كريم"

 

ولا يعرف على وجه الدقة أين كان منشأ هذه اللعبة ومن ابتكرها، وتاريخها، فبعضهم ينسبها إلى القائد الإغريقى بالميداس، ومنهم من نسبها إلى الكلدانيين، بينما ذكر بعضهم أنها اختراع صينى منذ القرن العاشر قبل الميلاد. على أن العلماء المعاصرين يجزمون بأن الشطرنج هو اختراع هندى، وأن ابتكارها كان قبل القرن السابع الميلادى بقليل حيث اشتق الاسم من لعبة الشطورانجا التى هى على الأرجح تعتبر الأساس للألعاب الاستراتيجية الشرقية مثل الشطرنج الصينى، والشوغى والشطرنج الكورى، وغيرها، ومن بلاد الهند انتقلت الشطورانجا إلى بلاد فارس ثم إلى البلاد العربية وبعد الفتح الإسلامى للأندلس انتقل الشطرنج إلى إسبانيا ومنه إلى قارة أوروبا حيث تغيرت قوانينه ونتج عنه الشطرنج الحديث فى أواخر القرن الخامس عشر.

ومن طريف ما يروى عن هذه اللعبة أن ملك الهند أراد مكافأة مخترع الشطرنج، الذى ابتكره أو طوره من لعبة قديمة  ليبعد السأم والملل عن نفس ملكه ويدخل البهجة إلى قلبه، وبلغ إعجاب الملك بها حدا جعله يطلب من صاحب الاختراع أن يتمنى عليه ما يشاء، فطلب المخترعُ طلبًا متواضعًا وهو أن توضع له حبة قمح واحدة على المربع الأول من رقعة الشطرنج ثم يتم مضاعفتها له بمتوالية عددية هى 1، 2، 4، 8، 16، 32،... إلى آخر مربع فى الرقعة الذى يحمل رقم 64. وقد استهان الملك بهذا الطلب الذى بدا له أنه طلب متواضع وسهل التحقيق، ولكن عند التنفيذ وبعد الحساب الدقيق تبين للملك أن عدد الحبات المطلوب يساوى 18446744073709551615، وهو ما تعجز عنه خزائن الهند من القمح، فزاد إعجاب الملك بذكاء المخترع وقال له : لا أدرى مما أعجب أكثر أمن الشطرنج أم من الأمنية الخادعة؟.

والشطرنج بحكم تاريخه الطويل ومسيرته التى تمتد لأكثر من ألفى عام عبر حضارات الشرق والغرب، من الهند إلى فارس إلى العالم العربى إلى أوروبا إلى أمريكا إلى الاتحاد السوفيتى، يحمل طيات من الثقافات والقصص والحكايات التاريخية والخرافية عن ملوك وقادة ومحاربين حقيقيين أو متخيلين، كما أنه بحكم تكوينه الفريد الذى يتشابه مع الحرب، بل الحياة، طالما أثار اهتمام وشغف المفكرين والفنانين والشعراء، الذين استخدموه كاستعارة ورمز للحياة والموت.

 

وهوأيضًا بحكم تركيبته المعقدة واعتماده على الخيال والإبداع يعد فنا، حتى لو كان فنا مستغلقًا على العامة لا يستسيغ جماله سوى الذين يجيدون لعبه ويفهمون أسراره...ولذلك كان من الطبيعى أن يغرى كثيرًا من الفنانين والأدباء بتعلمه ومحاولة التفوق فيه.

 

بطل شطرنج الشوارع.. أحمد فؤاد نجم

            

 

بالصدفة عرفت أن الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم ( 1929- 2013)، يلعب الشطرنج ويجيده، بالرغم من أننى التقيت به مرات عدة معظمها فى دار نشر "ميريت"، فخلال عام 2009 كنت أقوم بإعداد برنامج تليفزيونى على قناة تليفزيونية خاصة وكان أحمد فؤاد نجم ضيف إحدى الحلقات، وحين ذهبنا لتصوير الحلقة فى "نادى العاصمة" بحى جاردن سيتى، وجدت نجم قد سبقنا حيث كان يجلس بصحبة شخص آخر يلاعبه الشطرنج.

انتهزت الوقت الطويل الذى يستغرقه إعداد  الديكور والإضاءة وضبط الكاميرات فى متابعة المباراة، ولاحظت على الفور أن شاعر التمرد والثورة الذى قضى سنوات حياته فى سجون عبد الناصر والسادات ليس لاعبًا سهلًا أو هاويًا، وأنه يجيد على وجه الخصوص تدبير الكمائن والأفخاخ لاصطياد ملك الخصم ووزيره!.

بعد فوزه السريع على خصمه طلبت من نجم أن ألاعبه وحذرته ضاحكًا من أننى لاعب محترف، فابتسم غير مقتنع، ودارت بيننا مباراة يمكن أن أشبهها بكرة قدم الشارع ضد كرة قدم المحترفين، ولا أنسى أبدا نظرات نجم الماكرة عندما وجد نفسه مشرفًا على الهزيمة وبدأ يناور محاولًا الإيقاع بملكى بكش مات مباغتة، لم يتصور أننى كشفتها وتجنبتها بسهولة.

من الطريقة التى استقبل بها الهزيمة كان واضحًا أن أحمد فؤاد نجم نادرًا ما يخسر، وقد حاولت أثناء لعبنا لمباراة ثانية أن أشرح له أن الشطرنج علم ودراسة وليس موهبة فقط وأننى أهزمه لأننى ذاكرت وقرأت وتدربت وليس لأننى أكثر منه موهبة، وقد بدا غير مقتنع بكلامى بالمرة ، ومصرًا على أنه يستطيع هزيمتى،بطريقة تشبه موقف سكان أمريكا الأصليين الذين استقبلوا بنادق الغزاة بالرماح، أو المماليك الذين استقبلوا مدافع نابليون بالسيوف.

 

مع ذلك أستطيع أن أجزم أن نجم كان صاحب موهبة طبيعية فذة وأنه كان من الممكن أن يكون له شأن كبير فى اللعبة لو أنه تعلمها بشكل علمى ودرسها بشكل احترافى.

 

فتحى غانم:  الشطرنج أكثر نقاءً من الصحافة

        

الأديب الكبير فتحى غانم (1924- 1999) صاحب "الجبل" و"تلك الأيام" و"زينب والعرش" و"الرجل الذى فقد ظله" و"الأفيال" و"بنت من شبرا" وغيرها من روائع الأدب العربى كان أيضًا صحفيا لامعا ومن المناصب التى تولاها رئاسة مجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة "الجمهورية" ورئيس تحرير مجلة "روزاليوسف"، وقد ظلمت الصحافة فتحى غانم الأديب، كما ظلم الأدب فتحى غانم الصحفى، لأنه كثيرًا ما يعتبر صحفيًا عند الأدباء وأديبًا عند الصحفيين.

وبعيدًا عن الأدب والصحافة كان لفتحى غانم عالم آخر كلاعب شطرنج هاو ومحترف، يشارك فى المسابقات ويدرس الشطرنج بجدية، وقد تعرفت عليه فى سن مبكرة من حياتى بمقهى "نادى الشطرنج" بميدان السيدة زينب، حيث كان يتردد أحيانًا ليمارس اللعب مع أبطال مصر، ثم التقيت به مرة أخرى كلاعبين فى إحدى المسابقات، ثم جمع بيننا فريق واحد هو "نادى الجزيرة" حيث شاركنا فى بطولة الدورى العام للشطرنج عدة سنوات من 1987 حتى بداية التسعينيات. ومن الطريف أن فتحى غانم كان يشرف على صفحة شطرنج أسبوعية فى مجلة "روز اليوسف" خلال السبعينيات، وقد رشحنى لتحرير الصفحة نفسها وبالفعل قمت بتحرير الصفحة لأكثر من عامين وكانت بوابة دخولى مهنة الصحافة!.

كان فتحى غانم يمتلك الكثير من كتب الشطرنج الأجنبية ويعرف الكثير من أسراره وتاريخه، ويجيد اللعب إلى حد الاحتراف، غير أنه لم يكن يمتلك الوقت للتفرغ له، ولكن عندما كانت تتأزم أحوال الصحافة والسياسة، ويمنع أحيانا من العمل والكتابة، كان ينتهز الفرصة للتفرغ لهوايته الأثيرة، كما حدث فى نهاية السبعينيات، عندما كان ممنوعًا من ممارسة الصحافة عقب طرده هو وعبد الرحمن الشرقاوى وصلاح حافظ من مجلة "روزاليوسف" بسبب ما كتبته المجلة عن "انتفاضة 77"، حيث دافعوا عن المتظاهرين ورفضوا وصمهم بـ"الحرامية" كما قال السادات.

كان مقهى "ماتاتيا" فى ميدان "العتبة" مقر تجمع كثير من لاعبى الشطرنج ومنهم فتحى غانم، وعندما أغلق المقهى انتقل اللاعبون إلى مقهى "عماد الدين" بوسط البلد و"نادى الشطرنج" بميدان السيدة زينب، ومقهى "أسترا" فى ميدان التحرير، و"الحرية" فى باب اللوق، من بين أماكن أخرى.

ومن أهم الحوارات التى أجريتها فى حياتى حوار مطول بمجلة "الثقافة الجديدة" صدر بتاريخ أكتوبر 1990، روى فيه الأستاذ فتحى كثيرًا من الآراء والحكايات الشخصية عن الشطرنج ، وخلال هذا الحوار قال فتحى غانم أكثر من مرة إن الشطرنج يظل أنقى وأشرف المجالات التى عرفها ومارسها مقارنة بعالمى السياسة والصحافة، اللذين وروى الكثير من فسادهما فى رواياته وكتبه.

ومن أظرف الحكايات التى رواها خلال هذا الحوار ، تلك الحكاية التى جرت وقائعها عام 1973، وبالتحديد يوم السادس من أكتوبر 73.

فى تلك الفترة كان فتحى غانم ممنوعًا من الكتابة تقريبًا، ومتفرغًا للأدب والشطرنج. وفى صباح هذا اليوم كان يجلس على المقهى يلعب مع بطل الجمهورية وقتها وكان طبيبًا وضابطًا بالقوات المسلحة، وعندما أذيع البيان الأول للحرب كان الاثنان منهمكين باللعب لدرجة أنهما لم ينتبها للحدث الجلل الذى انقلب له المقهى ومصر كلها، إلا بعد انتهاء الدور، عندها هب الاثنان من مكانهما فجأة ليجرى الأول إلى مبنى صحيفته والثانى إلى وحدته العسكرية!.

من الحكايات الأخرى التى تبين ولع فتحى غانم بالشطرنج أنه عقب اتفاقية "كامب ديفيد" مع إسرائيل كان هناك بعض محاولات للتطبيع، ولما كان زين السادات، شقيق الرئيس أنور السادات، هو رئيس اتحاد لعبة الشطرنج فى ذلك الوقت، فقد تم دعوة فريق شطرنج إسرائيلىللقاء ودى عقد فى فندق "السلام" الحديث وقتها.

استمرت المباريات ليومين وفى اليوم الثانى ذهب فتحى غانم لمشاهدة ما يحدث كصحفى وأحد المهتمين باللعبة، وقد حدثت واقعة غريبة يومها، حيث انخرط أحد اللاعبين المصريين الشباب فى البكاء عقب هزيمته للمرة الثانية من اللاعب الإسرائيلى، وهو أمر أثار انفعال الحاضرين ومنهم فتحى غانم، ولما كان اليوم الثالث مفتوحًا لمباريات التحدى، حيث يمكن للاعبين اختيار اللاعب الذى يريد منازلته من الفريق الآخر، وجد فتحى غانم نفسه، والرواية على لسانه، ينبرى دون تفكير ليعلن أنه يريد منازلة اللاعب القوى الذى هزم البطل المصرى مرتين.

 

عاد فتحى غانم إلى بيته مهمومًا نادمًا بعض الشىء على تسرعه، ولكنه قضى الليل يدرس أسلوب خصمه، كما لاحظه من خلال المبارتين اللتين أداهما أمام لاعب مصر، وقام بتحضير خطة لمواجهة "الافتتاح" الذى يلعبه، واكتشف فخًا ماكرًا يمكن للخصم أن يقع فيه، ومن العجيب أن الخصم وقع فى الفخ بالفعل فى اليوم التالى ليحقق فتحى غانم انتصارًا كبيرًا على أقوى اللاعبين الإسرائيليين.

 

 

من حكايات «ألف ليلة وليلة».. الجارية التى هزمت أقوى الرجال

 

 

شعراء شطرنجيون 

 

المعرى وأبو نواس أشهرهم...وابن الرومى انقلب عليهمتحفل كتب التراث العربى بحكايات وطرائف عن الشطرنج، ومنها كتاب "ألف ليلة وليلة" الذى يضم عددًا من القصص يشغل لعب الشطرنج فيها مركز الصدارة مثل الحكاية التى وردت فى الليلة الحادية والستين بعد الأربعمائة، وتحكى أن الجارية الحكيمة ''تودد'' بعد أن غلبت الشعراء والأدباء والموسيقيين والمَنَاطِقَة فى مجلس الخليفة هارون الرشيد، قال الخليفة لها:

يحفل التراث العربى بشعراء وأدباء مارسوا لعبة الشطرنج باقتدار ومهارة، أو وقعوا فى حبها حتى الهوس، ومن أشهر الشعراء الذين كانوا يتقنون اللعبة أبو نواس الذى عرف عنه إجادته للعب الشطرنج مثل قرضه للشعر، والذى لم يترك خلفه بعد موته "سوى قصاصات ورق بها شعره وطنبور ورقعة شطرنج وعود ونرد"، ومن أشعارأبى نواس:

"تلاعبت بالشطرنج مع من أحبه

فنادمنى حتى سكرت من الوجد

وأنشدنى مالى أراك مفكرا

تدور على الشامات وهى على الخد"

كذلك عرف عن أبى العلاء المعرى إجادته للعب رغم كف بصره ، وفى كتاب "يتيمة الدهر" للثعالبى عدد من الحكايات عن ظرف المعرى ومشاركته فى الشطرنج وتفوقه فيه.

وتحفل كتب التراث بقصائد كبار الشعراء العرب، خاصة فى العصرين الأموى والعباسى، تدور عن الشطرنج أو تستخدمه كصور شعرية، مما يدل على الانتشار الهائل الذى كانت تشهده اللعبة آنذاك. ومن هذه الأشعار:

"سر فى طلاب المعالى تعل مرتبة

كم بيدق صار لما سار فرزانا"

(القاضى الفاضل)

.......................

"أرض مربعة حمراء من أدم

ما بين حرين معروفين بالكرم

تذاكرا الحرب فاحتالا لها فطنا

من غير أن يأثما فيها بسفك دم

هذا يغير على هذا وذاك على

هذا يغير وعين الحزم لم تنم

فانظر إلى همم جاشت بمعركة

فى عسكرين بلا طبل ولا علم"

(تنسب  لعلى بن الجهم وبعض المصادر تنسبها للخليفة  المأمون)

.........................

"تأمل ترى الشطرنج فى الدهر دولة

نهارًا وليلًا ثم بؤسًا وأنعما

محركها باق وتفنى جميعها

وبعد الفنى تحيا وتبعث أعظما"

(بدر الدين بن الصاحب)

.........................

"انظر إلى لاعب الشطرنج  يجمعها

مغالبًا ثم بعد الجمع يرميها

كالمرء يكدح للدنيا ويجمعها

حتى إذا مات خلاها وما فيها"

(المأمون)

.........................

أما ابن الرومى فله أشعار كثيرة تبين أنه كان يعشق اللعبة ويمارسها، ولكن نجد أيضًا بعض الأشعار المتأخرة له يهجو فيها اللعبة ولاعبيها بضراوة، ويعزو بعض الباحثون هذا الموقف إلى فشل ابن الرومى فى أن يصبح لاعبًا جيدًا. ومن أشهر الأبيات التى كتبها ضد اللعبة:

"تفرست فى الشطرنج حتى عرفتها

فإن  صح رأيى فهى  بالوعة العقل"

 

 

" يا تودد بقى عليك شىءٌ ممّا وعدتِ بهِ وهو الشطرنج، ثم أمرَ بإحضار مُعلمى الشطرنج فحضروا، وجلس مًعلِّم الشطرنج معها ووضعت بينهما الصفُوف ونقل ونَقَلَت، فما نَقَل المُعلِمُ شيئًا إلاّ أفسدَتْهُ، حتّى غلبتهُ، ورأى الشاه مات، فقال: أنا أردت أن أطعمك حتّى تظنِّى إنّك عَارفة، ولكنّ صُفِّى حتّى أُرِيْكِ! وصار المُعَلِمُ ما يخرجُ قطعة إلاّ بحسابٍ، ومازالَ يلعَبُ حتّى قالت له الجارية تودد: الشاه مات، فلما رأى ذلك منها دُهشَ مِن حِذْقِها وفَهْمِهَا ضحِكَت وقالت له: يا مُعَلِّم، أنا أُراهِنُك فى هذه المرّة الثالثة على أن أرفع لكَ الفرزان ورخ الميمنة وفرس الميسرة وأُغلبك؟ فقال المُعَلِّم: رَضِيْتُ بهذا الشّرط· ثم صَفّا الصّفَيْنِ، ورفعت تودد الفرزان والفرس والرخ، وقالت لهُ: انْقل يا مُعَلِّم، فنَقَلَ وقال: وكيف لا أغْلِبُها بعد هذهِ ''الحُطيْطَة'' وعقدَ عقدًا، وإذا هى نقَلَت نَقْلًا قليلًا إلى أن صَيَّرَت لها فرزانًا ودَنَت منهُ وقرَّبَت البيادق والقِطَع وشغلتهُ وأطْعمتهُ قطعة فقطعها، فقال: الكيلُ كيلٌ وافٍ، والرز رُزّ صَافٍ، فكُلْ حتّى تزيد على الشَبْع، ما يقتُلُك يا ابن آدم إلاّ الطمع، أما تَعْلَم أنّى أطْعمكَ لأخدعَكَ، فانظُر ماتَ الشاه، فحَلَف المُعَلِّمُ ألاّ يُناظرَ أحدًا ما دامت تودد بمملكة بغداد"!

 

أبطال العالم فى الشطرنج

 

أول لقب "رسمى" لبطل العالم فى لعبة الشطرنج أطلق عام 1886 عندما فاز النمساوى الأمريكى فيلهلم شتاينتز على الألمانى البولندى يوهانس تسوكرتورت فى مباراة رسمية، ولكن قبل ذلك هناك طابور طويل من لاعبين أطلق عليهم اللقب بشكل غير رسمى، أقدمهم يعود إلى القرن التاسع فى العالم العربى من أشهرهم أبو العباس أحمد العدلى وأبو بكر الصولى، الأديب والموسيقى المعروف، ولهما مؤلفات معروفة فى اللعبة. وكان العرب هم أول من قاموا بتصنيف لاعبى الشطرنج حسب مستواهم وأطلقوا ألقابًا على كل مستوى وأعلى هذه الألقاب هو "عالية الشطرنجى الرفيع" الذى كان يحظى به العدلى.

بعد انتقال اللعبة إلى أوروبا عن طريق العرب، قام الأوروبيون بتطوير وتغيير قواعدها وحظيت اللعبة باهتمام بالغ خاصة على يد الرهبان والمعلمين، ومن أشهر الذين برعوا فى اللعبة وكانوا يعتبرون أقوى لاعبى العالم فى أوقاتهم: الأسبانى روى لوبيز دى سيجورا، عام 1560، والإيطالى جياوشينو جريكو، ثم سلسلة من اللاعبين الفرنسيين الذين سيطروا على الساحة خلال القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر أشهرهم فيليدور ولابوردنيه، ثم اللاعبين الإنجليز مثل ماكدونيل وستاونتون.

ومن أشهر اللاعبين الذين سادوا الساحة العالمية بطريقة استثنائية الأمريكى بول مورفى الذى هزم أقوى لاعبى عصره خلال عامين فقط من 1857 و1858 قبل أن يعتزل ويموت فى سن مبكرة، كذلك الألمانى أدولف أندرسن، الذىاعتبر أقوى لاعب بعد اعتزال مورفى، حتى هزيمته على يد فيلهلم  شتاينتز فى مباراة أقيمت عام 1866، وتعتبر أول بطولة عالم شبه رسمية قبل مباراة شتاينتز ضد تسوكرتورت.

حافظ شتاينتز  على اللقب حتى هزيمته من الألمانىإيمانويل لاسكر عام 1894، الذى أصبح بطلًا رسميًا للعالم لأكثر من 27 عامًا، عندما استطاع الكوبى النابغة راؤول كابابلانكا أن يفوز عليه عام 1921.

من العشرينيات وحتى العقد الأول من الألفية الثالثة حلت فترة طويلة من السيطرة "السوفييتية" بدأت بألكسندر أليخين، الروسى المنشق "الفرنسى لاحقا"، الذى انتزع بطولة العالم من كابابلانكا عام 1927، واحتفظ بها حتى وفاته عام 1946، باستثناء عام 1935 الذى نال فيه اللقب الهولندى ماكس أويفه، ولكن أليخين استعاد اللقب فى مباراة ثأرية بعدها بعام واحد.

بعد وفاة أليخين أقيمت مسابقة شارك فيها أقوى لاعبى العالم، فاز بها السوفييتى ميخائيل بوتفينيك، وتلاه سلسلة من اللاعبين السوفييت الذين سيطروا على الساحة دون منافس، باستثناء واحد هو الأمريكى بوبى فيشر الذى نجح فى كسر الهيمنة السوفيتية عام 1971 عندما هزم الروسى بوريس سباسكى، فى واحدة من أشهر وأشرس المباريات على اللقب، خاصة مع البعد السياسى الذىصاحبها فى عز الحرب الباردة ، ومثل مواطنه الأمريكى بول مورفى اختفى فيشر عن الساحة عقب فوزه باللقب ، وبعد اختفائه استعاد السوفييت اللقب على يد أناتولى كاربوف من 1974 حتى 1985 ثم جارى كاسباروف من 1985 حتى 2000. 

عقب انهيار الاتحاد السوفيتى تشتت اللاعبون بين الجمهوريات التى انفصلت، وكثير منهم هاجروا إلى أوروبا وأمريكا وبلاد أخرى.

 

عام 2000 استطاع الروسى فلاديمير كرامنيك أن يكسر احتكار كاسباروف للقب فى مباراة شبه رسمية أقيمت خارج مظلة الاتحاد الدولى "الفيدا" وتأسيس اتحاد بديل للمحترفين، فيما واصل الاتحاد الدولى عقد بطولات عالم "رسمية" واستمر الوضع على هذا الحال حتى عام 2005 عندما تم توحيد اللاعبين تحت مظلة الاتحاد الدولى مرة أخرى. وفى عام 2007 أصبح الهندى فيسوانثان أناند بطلا رسميا للعالم بعد فوزه على كرامنيك. وأخيرًا استطاع النابغة النرويجى ماجنوس كارلسين أن يحصل على اللقب عام 2013 بعد فوزه على أناند، وحافظ على اللقب ضد أناند مرة ثانية ثم ضد الروسى كارياكين عام 2016.. فى أول نوفمبر القادم يلتقى كارلسين فى مباراة جديدة على اللقب ضد الأمريكى فابيانو كاراوانا، من المتوقع أن تصبح من أقوى المباريات فى تاريخ اللعبة.

 

أشهر قطع الشطرنج عبر التاريخ....أسد فرعون وفيل شارلمان وكريستال صدام حسين!

 

 

فى الرواية القصيرة «قصة عن الشطرنج» للأديب النمساوى شتيفان تسفايج، التى ترجمها الأديب يحيى حقى بعنوان «لاعب الشطرنج»، يقوم أسير معتقل فى زنزانة انفرادية بصنع عدة شطرنج من بقايا قطع الخبز وقماش ملاءة السرير، ويقضى الأيام والسنوات فى قراءة كتاب شطرنج وحيد قام بتهريبه.

لا يحتاج الشطرنج سوى للوحة مربعة وقطع رخيصة من الخشب أو البلاستيك، ولاعب منافس، وأحيانا لا يحتاج حتى إلى هذا، فالبعض يمكنهم اللعب فى الخيال دون الاحتياج إلى قطع شطرنج أو خصم.

لكن «لعبة الملوك» كما يطلق عليها ارتبطت دومًا بالقصور وبلاط الحكام وبيوت الإقطاعيين والأرستقراط والسياسيين، وظلت قطع الشطرنج الثمينة، الأنيقة، المرصعة بالمجوهرات والأحجار الكريمة، أو المصنوعة من أفخر أنواع الرخام أو الأخشاب، عنصرًا مهمًا وجذابًا من عناصر اللعبة، وأيضًا واحدة من الهدايا القيمة التى يتبادلها الناس على مر العصور.

وبعض قطع الشطرنج الأثرية تعود إلى آلاف السنين، من أيام الفراعنة والهند القديمة وفارس وصولًا إلى أوروبا فى العصور الوسيطة  وما بعدها ،ومن أقدم قطع «الشطرنج» أو بالأصح لعبة تشبه الشطرنج يرجح أنها أصل الفكرة: قطع من الأحجار أو الخشب تمثل أطرافا متحاربة ويمارسها لاعبان، هى منضدة خشبية وقطع فرعونية تم العثور عليها تعود لنحو ثلاثة آلاف عام بجانب بعض البرديات التى تصور لاعبين يمارسون اللعبة ومنها صورة لأسد يلاعب ماعز برياً!

أما أقدم قطعة من لعبة يعتقد أنها شطرنج عثر عليها فى جنوب ألبانيا عام 2000 وتعود إلى نحو عام 465م، وأقدم قطع من المؤكد أنها شطرنج عثر عليها فى أوزبكستان بالقرب من مدينة سمرقند التاريخية، وهى تعود إلى نحو عام 760م، وهى سبع قطع من العاج تمثل قطع الشطرنج الهندية القديمة عبارة عن ملك، عربة حربية، وزير، حصان وفيل وجنديين.

أما أقدم قطع شطرنج عثر عليها فى أوروبا فتعود إلى بداية القرن العاشر الميلادىوتتكون من 4 قطع صغيرة من العاج عثر عليها بأحد الأديرة التاريخية فى مدينة ليون الأسبانية ويطلق عليها «قطع القديس جناديو»، لكنها لا تشبه القطع الأوروبية كما نعرفها. أما أقدم قطع شطرنج بالشكل المجسم الذى نعرفه فتعود إلى عام 980م وعثر عليها فى إحدى مقابر مدينة روما الإيطالية عام 1932، ولم يعثر المؤرخون حتى الآن على تفسير وجود هذه القطع العربية الشكل فى المقبرة الإيطالية.

وأقدم قطع أوروبية الشكل هى المعروفة باسم «شطرنج جزيرة لويس» التى يعرض بعضها فى المتحف البريطانى والبعض الآخر فى متحف الأنتيكات فى مدينة إدنبرا الأسكتلندية. وهذه القطع عثر عليها عام 1831 فى جزيرة لويس بأسكتلندا، ولهذا قصة طريفة حيث كان أحد الفلاحين يبحث عن بقرته الضائعة فعثر على حجرة تحت الأرض بها حقيبة داخلها 67 قطعة شطرنج و14 قطعة من لعبة أخرى تشبه «السيجة»، وأصيب الرجل بالرعب من شكل القطع المجسم معتقدًا أنها مسكونة بالأشباح، وجرى ليخبر صاحب الأرض الذى خاف أيضًا وقام برقية الأرض من الجن ثم باع القطع التى عثر عليها للمتحف البريطانى بمبلغ 84 جنيهًا إسترلينيا!.

ومن أشهر قطع الشطرنج التاريخية ما يطلق عليه «شطرنج شارلمان» المحفوظ فى متحف المكتبة الوطنية فى باريس، والذي يقال إنه كان هدية من الخليفة العربى هارون الرشيد إلى ملك الروم شارلمان، أو كارل الكبير، الذى حكم الإمبراطورية الرومانية من عام 768 إلى 814م وكان صديقًا للخلفاء العباسيين وخاصة هارون الرشيد، حيث تبادل الاثنان التعاون كما تبادلا الهدايا، ويقال إن لعبةالشطرنج هذه كانت إحدى هدايا الرشيد لشارلمان مع ساعة نحاسية ضخمة وأقمشة نفيسة، وقد فقد عدد كبير من القطع بعد الثورة الفرنسية ولم يبق منها الآن سوى 16 قطعة من العاج المطعم بالذهب من بينها فيل ثقيل منحوت عليه اسم الصانع العربى «يوسف البحيلص» ، بينما ترجح مصادر أخرى أن هذه القطع تم صنعها فى إيطاليا نحو عام 1000م.

 

أما أشهر قطع شطرنج تحدث عنها العالم مؤخرًا، فهو شطرنج صدام حسين الذى نهب مع ما تم نهبه عقب الغزو الأمريكى للعراق عام 2003، وأعادته السفارة الأمريكية إلى حكومة العراق عام 2017، وهو شطرنج نفيس مطعم بالكريستال والذهب، ولكن ليس أثريًا كما زعمت الأخبار وقتها، فهو حديث الصنع ومن الواضح أنه هدية صنعت خصيصًا للرئيس العراقى وقتها.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg