رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

سونيتات رمضان

جسور من الصور والمجاز والحروف بين الشاعر والله، يعرفها المتصوفة جيدا، وهم يطوفون بزهد الطريقة، تسري بهم إلى نشوة الكشف.. فتكون القصائد خرقتهم المنتظرة بين صمت وصراخ ، همسا إلى الله عندما رأوه بقلوبهم.. 

ومن بين تعالى همسهم وتردد صداه الشاعر الأمريكي ابن بيركلي المتمرد على ستينيات أمريكا  دانييل عبد الحي مور، الذي رحل العام الماضي، والذي عاش رحلة المعراج إلى القصيدة، متكئا حينا على صورة إنسانية رحبة للمسيح، وحينا على التأمل على طريقة "الزن"، قبل أن يسافر إلى المغرب فيلتقي شيخ طريقة، يطوف معه ويعود إلى بلده مسلما وشاعرا ذاق نكهة الحقيقة في الحب الإلهي.

 

في الستينيات كان دانييل مور من أبرز شعراء "بيركلي" الحالمة بأمريكا أكثر إنسانية وعالم أكثر عدلاً. وتعتبر دواوينه "رؤيا الفجر" و"القلب المحترق: مرثاة لموتى الحرب" و"جسد النور الأسود" و"حكمة المحارب"، ثورة في حركة الشعر الأمريكي الحديث- كما يقول الكاتب والمترجم السوري منير العكش عنه - كذلك كانت مسرحياته "اللوتس العائم" و"الحيتان المدماة" و"قيامة إبليس" التي عرضت لسنوات في مسرحه الذي أنشأه هناك في قلب كاليفورنيا مدرسة إبداعية وإنسانية. 

زار مور المغرب في نهاية الستينيات وتعرف على الشيخ محمد بن الحبيب الفاسي، ليعود إلى بيركلي مسلماً، وقد نشرت معظم مجموعاته الشعرية في هذه المرحلة ("الصحراء باب النجاة" و"حوليات الآخرة" و"صاح كما لم أصح من قبل" و"ورد" و"مولد") في طبعات يدوية محدودة من عمل الشاعر ذلك، لأن ناشريه لم يرق لهم "دانيال عبد الحي مور" الجديد. 

بدأ مور بكتابة "سونيتات رمضان" في أول ليالي رمضان 1406 هجرية ، (1986ميلادية )، ليكتشف صباح العيد أنه أنجز مجموعة كاملة من 62 قصيدة كانت كما يقول: "فضاء روحياً لتجربته الرمضانية وتصويراً شعرياً لعالم الصيام والعالم من حول الصيام"...

ملائكة لا تلمحها العين 

 

ربّ ملائكة 

خافية، لا تلمحها العين 

تخترق بلطف جسد الأشياء 

...........

رب ملائكة 

تخطر كنقاط الضوء البراقة 

فوق مياه الشلال... سريعاً 

ورشيقاً كالماء 

...........

مخلوقات من ضوء 

تسعى مثل الضوء.. 

وتزداد بريقاً في جوف الظلماء 

...........

رب ملائكة تسري في الليل إلى غايتها 

في طيران خاطف 

لا يعجزها الصخر 

ولا يمنعها البحر 

ولا يثنيها عمق الوادي 

...........

تعبر بموات الأرض فيهتزّ 

 

وينبض منها قلب الأحياء. 

 

مرآة

وجهي جهمٌ 

حين أمر أمام المرآة الغبراء. 

ومرور الزمن هنا 

لا يقشع سحبي. 

ألمح عيني 

وأرى "النفس" 

وما كنتُ أسميه: "أنا". 

من هو هذا الإنسان؟ 

ابني وأبي! 

ولمن هذا الوجه الغضبي؟ 

لغريب أم لحبيب؟ 

هذا الضوء المكسو بلحم، 

هل هو أرض أم شمس 

أم أفلاك نبي؟ 

من يأمرها: هيا سيري! 

هيا أعدي؟ 

.............

هل من أحد؟ 

.............

يا شكلاً في المرآة 

ووجها ً كشراع منشور 

ستظلُّ غريباً 

في هذا العالم 

حتى الأبد..  

 

البحر وحيتان البحر 

لو أن البحر وحيتان البحر 

قطرة دمع في عين وليّ 

...........

لو أن حريق الدرب الوعر 

رعشة عصب في باطن قدمه 

...........

لو أن الليل وأهوال الليل 

وهجوماً نووياً معها 

مغصٌ يزعج هذا الصاحي الأبدي 

...........

لو أن وجوه الجوهرة/ الأرض 

نقطة ضوء تتحلل في عين تجليه 

...........

لو أن أشعة كل نجوم الليل 

تكتب في عينيه 

ما تكتب أشرطة الآلات الكاتبة 

على الورق الأبيض 

حيث الأنفاس فصول 

ووجيب القلب منامات 

...بين يدي أسد يربض 

فوق شفير الصحراء الأزرق 

يتثاءب.. حتى يتحجر. 

...........

لو أن الشعر وأعجب ما هذا الشعر 

"ومضة" إنذار 

في راصدة الزلزال المنصوبة 

في قلب وليّ 

...........

عندئذ، 

حين تُشَقُّ الأبوابُ 

على آجام القمر المشرفة على 

كل وجوه المستقبل؛ 

...........

حين تصير الريح 

خزانة حشر لدخان مائي أخضر 

ثم يصير الماء زجاجا، 

ويصير زجاج الماء 

صواناً أحمر؛ 

...........

حين نوجّه موجات سرائرنا 

نحو عجائب أفكار الخلق الغارقِ 

في أعماق الصلصال البحري؛ 

...........

عندئذ 

قد ننهضُ: 

أيدينا تدفع قوس الأرض 

نتهيأ، نمضي في بحر شاقولي 

من نور ينفذ في الجبهة منا 

ويشق الصدر. 

...........

عندئذ 

سنسيح بعيداً في 

ضوء نهار ينتظر خطانا 

ضوء لا يعرف أين حدود الضوء... 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg