رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

فى ذكرى رحيل بطريركين

 

 

د. ســامــح فــوزى

 رحل البابا كيرلس السادس يوم 9 من مارس 1971م. ورحل البابا شنودة الثالث، خليفته، يوم 17 من مارس 2012م، ويعزى إلي كليهما النهضة التي انتعشت بها الكنيسة القبطية، وكذلك الروح الوطنية التي بثتها في المجتمع خلال نصف قرن. 

 

البابا كيرلس – اسمه في الرهبنة القمص مينا البراموسي- عاش ناسكا، متعبدا، متواضعا في مغارة قرب دير البراموس في وادي النطرون، ثم انتقل وعاش في إحدى طواحين الهواء في مصر القديمة، ومنها إلي غرفة ملحقة بكنيسة بناها في زهراء مصر القديمة قبل اختياره بطريركا عام 1959م. لم يرد أن يكون بطريركا، ولكن القائمقام البطريرك وقتئذ الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف وضع اسمه في اللحظات الأخيرة ضمن قائمة المرشحين، كانت الكنيسة في حالة وهن، انتعشت في عهده حيث عرف بأنه رجل صلاة، وشفافية روح، وروحانية، وجدد علاقة قطاعات عريضة من الأقباط بكنيستهم، وهناك كيمياء خاصة في العلاقة بينه وبين الرئيس عبد الناصر نذكرها إلي الآن، في عهده بنيت الكاتدرائية، وافتتحها عبد الناصر، وفي يديه الإمبراطور هيلاسلاسي إمبراطور إثيوبيا. 

البابا كيرلس- القمص مينا البراموسي قبل رسامته بطريركا- كان يعيش في طاحونة هواء منحها له مدير مصلحة الآثار الأستاذ حسين فؤاد راشد، ووضع لها إيجارا زهيدا نصف قرش، ظل يدفعه له لفترة طويلة، وقيل إن البطريرك وقتها البابا يوأنس التاسع عشر عرض عليه أن يدفع له الإيجار من البطريركية لأنه كان يعرف أن القمص مينا البراموسي زاهدا لا يحتفظ بأموال، فقط يعيش في مكان فقير، لا يمتلك من حطام الدنيا شيئا، يأتي إليه الناس لنوال بركته، وقد عرف عنه أنه رجل صلاة، يستجيب الله لصلواته، وطلباته التي يرفعها عن الناس. وتحول المكان الموحش في الجبل الذي توجد به طاحونة الهواء بمصر القديمة إلي مكان عامر يأتي إليه الناس من كل فج بحثا عن زيارته حتي بعد رحيل البابا كيرلس حيث توجد كنيسة إلي جوار الطاحونة التي كان يعيش فيها البابا كيرلس قبل سيامته بطريركا.  

اختار البابا كيرلس خليفته البابا شنودة أسقفا للتعليم في البداية بطريقة غريبة، فقد طلب البابا كيرلس أن يأتي إليه الراهب أنطونيوس السرياني من ديره المسمى العذراء أو السريان في وادي النطرون. كان راهبا متوحدا، أي يعيش في مغارة خارج الدير، لكن في ذلك الوقت كانت أوكلت إليه أمانة الدير، والإشراف على مكتبته. جاء إلي لقاء البابا كيرلس، الذي تبادل معه حديثا مطولا عن الحياة الروحية، وعلم الآباء في الكنيسة، والدراسات التي يقوم بها الراهب المتوحد في دير السريان، ثم هم الراهب أنطونيوس السرياني بالانصراف، وسلم علي البابا كيرلس الذي وضع يديه عليه ودعاه أسقفا للتعليم رغما عن إرادته، وحدد موعد رسامته بعد عدة أيام، جاء الراهب أنطونيوس السرياني، الذي أصبح فيما بعد الأنبا شنودة، من أجل أن يمضي بضع ساعات مع البابا كيرلس ثم يعود إلي ديره، لكنه وجد نفسه متحفظا عليه في غرفة في الكاتدرائية ينتظر رسامته أسقفا. يقول الأنبا شنودة بكيت كثيرا وقتها، لم أبك عندما اخترت بطريركا عقب رحيل البابا كيرلس عام 1971م مثلما بكيت يوم اختياري أسقفا. 

البابا كيرلس كان رجلا روحانيا، عصره كما يسميه الأقباط "عصر المعجزات"، البابا شنودة اشتهر بالتعليم، عصره بالتأكيد هو "عصر التعليم"، كلا البطريركين رحل في شهر مارس، البابا كيرلس في مزاره الآن بدير مار مينا بصحراء مريوط، والبابا شنودة في مزاره بدير الأنبا بيشوي في وادي النطرون.

في عهد البابا كيرلس انتقل الكرسي البابوي من الكاتدرائية القديمة في حي "كلوت بك" إلي الكاتدرائية الجديدة في شارع رمسيس بالعباسية، وظلت تحتضن المقر البابوي طيلة عهد البابا شنودة الثالث، وتسلمها البابا تواضروس الثاني الحالي، الذي يستعد إلي الانتقال إلي مقر بابوي جديد في العاصمة الإدارية الجديدة. في انتقال الكرسي البابوي قصص وروايات عبر التاريخ، من الإسكندرية إلي القاهرة، في محطات مهمة كنيسة العذراء المعروفة باسم الكنيسة المعلقة، وكذا كنيسة القديس أبو سيفين بمصر القديمة، وكذلك كنيسة العذراء حالة الحديد بمنطقة الموسكي، وغيرها، في كل انتقال تجربة وخبرة وتحولات سياسية مر بها المجتمع المصري. 

تاريخ الكنيسة القبطية هو جزء من تاريخ مصر، وكلما كانت القيادات الكنسية القبطية لها بصمة وطنية مثل البابا كيرلس والبابا شنودة، كان حضور الأقباط علي الصعيد الوطني أكثر وثوقا. 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg