رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

حراجى القط لا يمكن أن يموت -...نبوءات الخال عبد الرحمن الأبنودى قبل الرحيل

حراجى القط  لا يمكن أن يموت

 

 من لم يقرأ جوابات حراجى القط  للشاعر الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودى (11أبريل 1938 – 21 أبريل 2015) فاته الكثير، فالديوان ملحمة شعرية عن مصر وناسها البسطاء، تذكرهم بالنصر وفاتورته الكبيرة يوم الهزيمة، وكما غنى الأبنودى بصوت عبد الحليم حافظ «عدى النهار»، وأعلنها.. "أبدا بلدنا للنهار بتحب موال النهار..."، فقد تذكر بعد الهزيمة نصر السد، وحراجى ابن أبنود الذى ألهمه بجسده القوى أن الرجال لا يُهزمون، فأعاد كتابة ديوان أخذوه منه فى السجن.    

 

- نبوءات الخال عبد الرحمن الأبنودى قبل الرحيل

 

- مصر فتحت أبواب التاريخ ومن فتح الباب لابد أن يغلقه، وستعود لموقعها قريبا

 

- السد العالى أكبر انتصار عاشته مصر عبد الناصر، ولولاه لماتت مصر غرقا

حوار : مها شُهبة

 

حراجى القط، الديوان الوحيد الذى كتبه الأبنودى مرتين، فقد كان شاعرا "قوالا"، يحب قول الشعر أكثر من تدوينه، لكن لحراجى قصة خاصة فى تأليف شخوصه من بقايا ذكريات وصمود وانتصار وغربة وحنين، وهو كتاب مقاومة للهزيمة، جرعة من المصل للروح تقيها آلام النكسات، وتجعلها قادرة على المواصلة بعناد فى كتابة التاريخ.

 من لم يقرأ قصة الحب العذبة فى الجوابات فاته الكثير عن المرأة المصرية التى تكتب تاريخا عميقا كالنهر فى هذا الديوان عبر أنامل الأبنودي، الذى يعترف بأنه كان "بوسطجيا" أمينا، نقل الكتاب الذى كتب نفسه بين السويس وأبنود والسد، وظل باقيا خالدا كأسطورة صاغها الشاعر الكبير بعبقرية فذة.

 تقول الجوابات الكثير، ويقول حراجى الكثير، وتقول فاطمة الكثير، ويبقى أن نقرأ فى توقيت النصر كما فى الهزيمة لنعرف أننا قادرون , مستلهمين فى ذلك روح شاعرنا الكبير الذى نحتفى فى إبريل من هذا العام بمرور 80 عاما على ميلاده وثلاث سنوات على وفاته , مستعيدين مع القارئ ذلك الحوار الخاص جدا مع شاعرنا الكبير , والذى أجرى معه قبل ثورة يناير بأشهر معدودة ولم يٌنشر.. ومرت الشهور والسنواتمع روحه التى لا تغيب - كأنها الأمس  القريب لنقدم هذا الحوار الذى أجريته كجزء من فيلم وثائقى لم يكتمل تحيةً لروح الخال فى ذكرى 80 سنة على ميلاده.

 > ما هى قصة حراجى القط الإنسان والديوان والملحمة وراءه؟

أولا معظم دواوينى انتشرت بالسرقة، يعنى كان شخص واحد يشترى نسخة والباقى كل ما يدخل مكتبة ويلاقى ديوان لى يحس أن سرقته حلال، وهكذا تسربت دواوينى.

كنا فقراء، وفى أوائل الستينيات أسسنا دار نشر لأن صلاح جاهين نفسه لم يكن يجد مكانا يطبع فيه "الرباعيات" وهى من أشهر أعماله، فأقمنا دار نشر اسمها دار "ابن عروس"، وكان يشرف عليها الأستاذ الناقد سيد خميس رحمة الله عليه، وكان المؤسسون أنا وسيد حجاب وصلاح جاهين، فأصدرت الدار الرباعيات، وبعد ذلك "الأرض والعيال" - الديوان الأول لى - ثم "صياد وجنيّة" لسيد حجاب، وكانت الكتب تمرّر بين الناس، لأن ميزانيات الناس لم تكن تتحمل شراء الكتب.

 نأتى لديوان "جوابات حراجى القط"، فأنا أعتبر أن حراجى هو الملهم لهذا الديوان، وحراجى شخصية حقيقية، صحيح هو لم يذهب للسد العالى  كما يقول الديوان ـ ولكنه شخصية حقيقية من بلدى أبنود، كان طفلا معنا ولكنه كان متميزا جدا، فقد كان طويلا وعريضا، وكنا نلعب ألعابا قاسية، مثل (ضربونا يا أبونا، والسبع طوبات)، وكان هو أقوى طفل فينا جسديا، ربما توجد فى جسدى آثار من ضربه، لأننا كنا نفتل حبال اللوف ونعمل بها أداة اسمها "شلاطة"، وأتذكر حراجى جيدا بسبب تكوينه الجسدى.

 وعندما بدأت أزمة السد العالى والمعركة الرهيبة التى حدثت بيننا وبين الأمريكان وبيننا وبين الغرب، والحروب التى دخلتها مصر من أجل الاستقلال الوطنى كنا مشحونين بالوطنية، ومنذ أول قصائدى ارتبط شعرى بالوطن، لكن مع حرب 56 اشتعلت مشاعرنا جميعا، الأمة كلها، كان الجميع يدافع عن الوطن،  فمنا من رسم ومنا من كتب ..  إلى آخره.

ونعود لحراجى القط، كان لى فى بيتى بباب اللوق مكتب صغير؛ وكنت وقتها أكتب البرنامج الإذاعى الشعرى "بعد التحية والسلام"؛ خطر على بالى حراجى، وكانت عندنا عائلة اسمها "القط" وعائلة "البس" .. وغيرهما ، فأنا ركبت أسماء وخطر على بالى فكرة هذا الحراجى الذى سافر من أبنود أو من جبلاية الفار - وهى قرية فى السويس - وخطر على بالى أنه متزوج من فاطمة أو فاطنةولى أخت اسمها فاطمة وأمى اسمها فاطمة قنديلواستحضرت مشاعر فاطمة أختى بالذات عندما تعرض زوجها للحبس ذات مرة، فصارت تقول كلاما عاطفيا جدا وأنا أستغرب كيف لها هذا التعبير المدهش، من هنا كتبت نص حراجى القط فى ذلك الوقت.

وفى عام 1966 قبض علىّ، كنا أعضاء فى منظمة أسسها جيل الستينيات (صلاح عيسى وجمال الغيطانى وسيد حجاب وآخرون ). ولما يقبض على أحد كانت تستباح كل أوراقه وكتبه، وهكذا فقد أخذوا نص حراجى القط. وقتها لم يهمنى السجن ولا الكتب، كل ما أهمنى فكرة الإشراقة والفتوح التى كانت فى فكرة حراجى القط وبناء السد العالى.

 عندما خرجت من السجن كان لى صديق اسمه غالب كانوا يستدعونه أمنيا كل فترة ، فلما استدعوه ذات مرة قال لهم الأبنودى يسأل عن ديوان له اسمه حراجى القط، وطبعا هم كانوا يأخذون هذه الأشياء ويحرقونها، ولا يدركون ماذا يمكن أن يفعل بى أخذ مخطوطة كهذه.

حزنت حزنا شديدا لأنى كنت فرحا بالتجربة للغاية، ولكن لما كلمهم غالب صديقى قالوا له فليأتِ هو ليقابلنا ويتكلم معنا، فشعرت بأنه "شغل مباحث"، وقلت فى نفسى هم يريدوننى أن أصبح مخبرا، فليذهب حراجى القط وفاطمة أحمد عبد الغفار للجحيم .. لا أريدهما، حينها وكأننى ضغطت زرا فنسيت حراجى وفاطمة تماما، وانتهى الأمر.

وكيف تذكرته بعد ذلك ؟

بعد نكسة 67 ذهبت وأقمت على شاطئ قناة السويس، وأنا من عشاق هذه المنطقة منذ طفولتى، بعد النكسة وجدت المثقفين يلومون أنفسهم ويقولون نحن السبب فى الهزيمة؛ وأنا لا أحب أن "أقعد" للأحزان، يعنى الأفضل عندى أكتب قصيدة توقظ الناس مثلما فعلت فى موال "عدى النهار"، الذى كتبته ليوقظ الناس ويزرع الأمل مرة ثانية فى النفوس، وكانت لهذا الموال حكاية حتى على مستوى القيادة السياسية، فقيل لى إن الرئيس لما كانت هذه الأغنية تغيب ولا تذاع لفترة، كان يتصل بالإذاعة ويسأل أين الأغنية، فهو يعتبرها من أفضل الأغنيات المصرية وأكثرها صدقا.

المهم أننى ذهبت إلى القناة ...

> لماذا ذهبت إلى هناك فى ذلك الوقت وعمَّ كنت تبحث؟

أينما كانت مصر كنت هناك؛ فلما كانت مصر فى السد العالى كنت هناك؛ ولما كانت على الجبهة فى حرب الاستنزاف كنت هناك.

لقد تعلمت من الدنيا الكثير من الدروس، ومنها مثلا أن من لم يدخل السجن لا يمكن أن يعرف ما هى الحرية، وتظل الحرية كلمة، تظل مثلما كنا نرسمها ونتخيلها زمان، قضبانا تنطلق منها حمامة مثلا ؛ ولكنك عندما تدخل السجن وتعيش تفاصيله يصبح للحرية معنى أعمق؛ كذلك الحرب، يعنى من لم يرَ الحرب لا يعرف كيف يكتب عنها ولا عن السلام، لأن هذا كله يأخد مدلولات مختلفة؛ فالشهيد لا يموت مبتسما وهو يحضن الوطن كما يعتقد البعض، لا شيء من هذا القبيل، لأن الإنسان حين يموت بفزع يتجمد التعبير فى الوجه، ففكرة الشهيد الذى يموت مبتسما كلام ناس لم تعش الحكاية؛ وطبعا كلنا نعرف أن خط القناة كله مهاجرين من الصعيد، من مناطق الطرد السكانى؛ فكان هناك تلك الوجوه التى نعرفها مثل عم إبراهيم أبو العيون رحمة الله عليه والست أم على .. وغيرهما.

 عشنا أيام وليالى الحرب .. متنا وحيينا؛ فأنا كنت غارقا فى ذلك تماما أيام ما كتبت "يا بيوت السويس"، وبدأت أكتب فى "وجوه على الشط"، وصادفت نجاحا وشعبية كبيرة لأن القصائد حكت ما يدور بعيدا عن العيون، الناس فى المدن لا يعلمون عن هذا كله شيئا، كنا هناك نحن أصحاب الهمّ كالعادة، وبدأت أكتب "وجوه على الشط"، وفجأة .. اقتحمنى حراجى القط من جديد، قلت لها: يا سيدة، هاتى لى طبلية تحت شجر التفاح، واعملى لى براد شاى وبقيت 3 أيام بلياليهم، أنام ساعتين وأقوم إلى الورق.. وآكل وأجرى على الورق، 3 أيام وكان ديوان حراجى القط كاملا كأنى كنت أحفظه؛ كأن ربنا أراد أن يكافئنى على موقفى ورفضى أن أكون متعاونا مع المباحث.

 وفى مقدمة جوابات حراجى القط ستجدين هذه القصة لهذا الديوان الذى كتبته مرتين لأول وآخر مرة فى حياتى، فأنا عادة أكتب القصيدة مرة واحدة ولا "أبيضها"؛ أصلا أنا أكره الكتابةبمعنى التدوين - لدرجة أن قصيدة اسمها "الخواجة لامبو العجوز مات فى إسبانيا"، وهى من أشهر قصائدى كنت أمشى فى الشوارع وأقولها أجزاء، آخر حاجة فيها التدوين.

> وكيف خرج حراجى من ذكريات المعتقل وشط القناة إلى الناس ؟

هكذا خرج حراجى القط للناس: قلت أجربه لأن القصيدة التى أكتبها إذا لم يباركها الجمهور فهى لم تُكتب بالنسبة لي، هذا ما حدث مع حراجي، بمجرد ما ذهبت إلى إذاعة الشرق الأوسط وقرأت 3 أو 4 قصائد، يعنى جوابين وردهم ، فإذا بالدنيا كلها تقول نريد الجوابات كلها، فقسمناها وصرنا نقولها بقية الشهر، وأصبح حراجى القط حقيقة واقعة، وأصبح أشهر منى، يعنى لما أسافر البلاد العربية أجد حراجى القط وفاطمة أمامى.. صارا من الرموز .

> كيف قرأت حراجى بعد سنوات طويلة من كتابته؟

لما كنت أقرأه كنت أستغرب كيف استغرقت فيه تماما، يعنى كانت القنابل تنفجر والطائرات تقصف وأنا أكتب... وهى تقول له: "بالليل تهل عليّا ما أعرف كيف، هففان القهوة على صاحب الكيف" والقصف شغال وأنا أصلا هناك من أجل الحرب والقصف الدائر، ولكنى أكتب فى موضوع آخر.

ومثلا هو يقول لها: "عارفة يا مرَتى الراجل فى الغربة يشبه إيه؟ عود درة وحدانى فى غيط كمون".

أقدر أقول لك إن حراجى كتب نفسه، يعنى كما كنت أقول كنت فقط "بوسطجيا" آخذ الكلام من مصادره ومن أفواه أصحابه، وأوصله للناس مثل البوسطجى الأمين،وتم طبع الديوان حتى الآن على الأقل 8 طبعات، فهو من أكثر الكتب إعادة للطبع، ومن الكتب التى لا ينتهى أثرها مع الوقت، يعنى انتهت معركة السد العالى وانتهت ظروف ذلك الزمان، وهذا الحراجى لا يزال على قيد الحياة، واعتبره الناس مع فاطمة رمزين للحب الإنسانى للبسطاء.

 > حراجى الحقيقى هل استقبل الديوان؟

لا أعرف؛ حراجى الحقيقى كان موجودا فى مدينة كبريت، ولا أعرف إذا كان على قيد الحياة أم لا، فلم أذهب إلى السويس منذ زمن، هو لما جاء من الصعيد أقام محل فاكهة وخضراوات؛ وأذكر أنه قال لى ذات مرة "أنت فضحتنى فى الدنيا ,كل من يقابلنى يقول لى: أنت حراجى".

 أنا بقيت فى السويس فترة طويلة ومرة التقيته بعد الحرب، وجدته على الطريق يقف ومعه "جوال بصل" وأنا أقود سيارتى، وهو لم يرنى منذ سنة 1962 ، ويمكن قبلها بخمس سنوات؛ فوقفت بعيدا عنه حتى لا يتعرف عليّ، وقلت له: "أنت يا راجل فقال لى: أيوه يا أفندى؛ قلت له: انت بتعمل إيه هنا ,قال لى: معايا شوية بصل؛ قلت له: ورايح على فين؟ قال: كبريت، قلت له: طيب اطلع، حمل الجوال وركب فى الكرسى الخلفى، وكان عندى وقتها بيت فى مكان اسمه شندورة قبل كبريت، فوصلت عند بيتى ودخلت مدقا طويلا وهو يقول لى: رايح فين يا أفندى، داخل فين؟ فتوقفت وقلت له: انزل يا راجل، قال أنزل أروح فين، أنا عايز أروح كبريت، قلت له: باقول لك انزل. فنزل ونزلت أنا من السيارة؛ فعرفنى وقال: عبد الرحمن.. نشفت دمى قطعت خلَفي.. أنت فضحتنى فى كل المطارح.

> ماذا وراء الاسم الغريب ؟

معنى كلمة حراجى أصلا  فى الصعيد الأرض التى نقول عنها الأرض "الشراقى" عندنا اسمها "الحرجة"، والتى كان فيضان النهر كل سنة يغمرها بالماء، والناس يزرعون عليها بعد انسحاب الماء، كان الناس يزرعون الفول، والعدس، والحلبة، والترمس، وبعدها الأرض من حرارة الصعيد تتشقق، كان هذا قبل السد العالى، فهذه الأرض تسمى الحرجة وتعنى الأرض القوية الخصبة المعطاءة، فالناس كانوا يسمون أولادهم "حراجى" نسبة لهذه "الحرجة" ليكون خصبا ومعطاء .. يعنى كرمز للخير.

حقيقة أنا لا أعرف كيف كتبت الديوان، أذكر أننى استحضرت روح أختى فاطمة فى الكتابة واللغة، يعنى هو فى الجواب الأول يقول لها:

 الجوهرة المصونة

والدرة المكنونة

زوجتنا فاطنة أحمد عبد الغفار

يوصل ويسلم ليها

فى منزلنا الكاين فى جبلاية الفار:

أما بعد ..

إذا كنت هاودت كسوفى ع التأخير

والله ما كنت حاخط بيدى حرف.

سامحينى يا فاطنة فى طول الغيبة عليكم

وأنا خجلان .. خجلان ..

وأقولك يا زوجتنا

أنا خجلان منكم .. من هنا للصبح ..

شهرين دلوقت ..

من يوم ما عنيكى يا فاطنة 

بلت شباك القطر ..

لسوعتى بدمعك ضهر يديَ

لحظتها قلت لك :

(قبل ما عوصل عتلاقى جوابى جاى 

نهنهتى .. وقلتى لى بعتاب:

(النبى عارفاك كداب ..

نساي

وعتنسى أول ما عتنزل فى أسوان .. 

ما عرفت ساعتها يا مرتى أضحك واللا أبكى.

ما عرفت ساعتها إذا كنت باعوز القطر يقف ولا يولى.

حسيت بعنيكى الحيرانة يا فاطنة بتقول لى

وتسكت

وتقول لى.

حسيت واليد بتخطفها يد الجدعان

بالقلب ف جوفى ما عارف إن كان بردان .. دفيان

والبت عزيزة والواد عيد

قناديل فى الجوف ..

زى ما بتضوى .. بتقيد ..

.......... والقطر اتحرك ..

وقليبى بيتنقل من يد ليد .

والقطر بيصرخ ويدَودِو

اتدلدلت بوسطى من الشباك ..

( خذى بالـــــــــــــــــــــــــــــــك م الوِلد ..

راعى عزيزة وعيد )

والقطر صرخ ورمح لكأنه داس على بصّة نار ..

ولقطت الحس قريب .. قد ما كنتى بعيد :

(قلبى معاك يا حراجى هناك ف أسوان ..)

رميت نفسى وسط الجدعان ..

وبكيت ..

وبلدنا اللى كنا بنمشيها ف نص نهار

كان القطر فى لحظه .. فاتها بمشوار .

سامحينى يا فاطنة على التأخير ..

ولو الورقة يا بت الخال تكفى

لاعبى لك بحر النيل والله بكفيِ كلام

............

وختاما ليس ختام ..

بابعت لك ِ

ليكى ولناس الجبلاية

ولبتى عزيزة والواد عيد

ألف سلام

............

ملحوظة:

اكتبى ع المظروف

أسوان

زوجى الغالي

الأسطى حراجى القط

العامل فى السد العالي

 

 رجل وامرأة وبينهما قصيدة

> يوضح الديوان دور المرأة فى مصر، يعنى لو كان السد العالى بناه الرجال فالنساء تحملن الغربة وهجرة الرجال، وقمن بتربية الأولاد، وكن يُعدن الكرّة فى كل موقف، ففى وقت حرب الاستنزاف كان دور المرأة أن تكون مثل فاطنة أحمد قنديل أو فاطنة أحمد عبد الغفار ... وما بعدهما.

 أنا دائما أرى من خلال الواقع أننا عشنا عالم الأم، فقد تشكلنا بأيدى أمهاتنا وليس بأيدى آبائنا، فالأب لم نكن نراه فى الصعيد إلا قليلا، أنت على حجر أمك منذ الطفولة، تعلمك الكلام والحروف والمعانى والتقاليد والعادات وأعداءك وأعداء الأسرة وأحبابك؛ وإذا كانت كريمة ستشب أنت أيضا كريما. ثم إن الطقوس - والحياة فى الصعيد كلها طقوسهى عهدة الأمهات وأنا دائما أقول: إنهن حراس الحضارة؛ فأنا أصبحت كما أنا ليس بسبب والدى رغم أن الشيخ كان شاعرا كبيرا، إنما أنا تلميذ شرعى لفاطمة قنديل، المرأة الأمية البسيطة التى لا تعرف القراءة ولا الكتابة، وطول عمرى كنت أحلم أن أكونها، كنت فى محاولة لإلغاء هذا الجسد، وأن أتلبس روح فاطمة قنديل ورؤيتها ولغتها، لأنها أستاذتى مثلما أن كل أمهاتنا هن أساتذتنا خصوصا فى الصعيد.

 لما تشاهدى المسلسلات يتهيأ لك أننا ناس غليظة، بالعكس نحن من أرق الناس؛ صورة الأمهات الصعيديات فى المسلسلات هذه غير صحيحة وغير موجودة؛ مثلا لما المرأة بتخبز وهى بتدور الرحى كذا مرة، تتذكر بكائياتها الغريبة جدا، فمثلا لما تموت بنت صغيرة تقول:

 

لاروح على الحفار وأقوله

شعر الصبية من التراب لمه

............

 وفى الأفراح فى الحنة مثلا تقول:

شبهت رقبتها بنخلة فى الصعيد

إذا هبهبت الرياح بيزينها الجريد

شبهت رقبتها برقبة فى العقب ( الجبال)

إذا هبهبت الرياح بيزينها الرطب

 ............

فلهن نصوص شعرية خالدة تورثها كل أم لابنتها، وأنا أحيانا أحس بأن فاطمة أعمق وأكثر إيجابية حتى حكاية أنها تزرع الكرم وترسل العيال للكتّاب، تحس إن فاطنة ليست هينة ولا تعبيراتها.. "فى الليل يا حراجى تهل عليا ما اعرف كيف؟ هففان القهوة على صاحب الكيف، وساعات لما أمد إيديا فى الضلمة ألقاك جنبى.. طب والنبى صح ومش بكدب يا حراجى".

 فالمرأة الصعيدية بالذات أنا مغرم بها بطريقة فريدة، يمكن أن يظنها الإنسان بسيطة، إنما لو اقتربت منها وفتحت معها الكلام تجد عالما آخر؛ وفاطنة أحمد عبد الغفار هى تجسيد لهذه المرأة، ولها عشاق كثيرون، ساعات أشعر أن لها شعبية أكثر من حراجي.

-تكلمنا عن حراجى الحقيقى فماذا عن حراجى السد العالى نفسه وهذه الشخصية التى قمت باختراعها والملحمة كلها، هل ذهبت إلى السد العالى؟

الغريب أنى عندما ألقى ديوان حراجى أشعر كأنه مكتوب أمس، والناس نسوا أنه كان مكتوبا للسد العالى، ولم يبق عمل فنى أو أدبى عن السد العالى على قيد الحياة إلا جوابات حراجى القط العامل فى السد العالي، وأغنية عبد الحليم حافظ "قلنا هنبنى وادينا بنينا السد"، ما عدا ذلك لا يوجد.

 طبعا أنا ذهبت وأقمت فترات طويلة فى السد، والمهندسون كانوا يقولوا لنا تعالوا اقعدوا فى البيوت الجاهزة أو فى الفيلات ، كنت أقول لهم "لا ..أنا جئت لأكون معكم ومع العمال"، وأفرش معهم فى الطل، يقولوا لكن ربما فيه عقارب وثعابين ، أقول لهم ما يجرى عليهم يجرى عليّ.

 وأيضا عندما ذهبت إلى السويس بعد حرب 67 مباشرة لم أترك السويس إلا عام 1971 ، لأنى سافرت وقتها إلى تونس؛ وعملت لعبد الحليم أغنية "عدى النهار" وبعدها أغنية "المسيح" عن الشباب الفلسطينى الذى يطرد ويعذب بنفس الطريقة وبنفس الأيدى، يعنى أنا لا أترك المكان بسهولة، فعشرتى للأماكن مثل عشرتى للناس، فأصدقائى مثلا من يوم ما جيت القاهرة هم هم، صحيح أكتسب أصدقاء جددا، لكن أصدقائى القدامى حتى لو غلط أحدهم فى حقى، لا أتركهم، فلا تقدر أن تكسب صديقا كل يوم، وهؤلاء أكلنا وشربنا وجعنا معا، وكنا نبيت عشرين شخصا فى غرفة ودخلنا السجن معا، لا يمكن التفريط فى هذا كله، ثروتك الحقيقية هى البشر

  غبار كثير على السد وانتقادات، والخبراء قالوا أفسد الطمى والتربة الزراعية...

لولا السد العالى لمتنا غرقا، كما أن السد العالى لعب دور سيدنا يوسف فنظم المياه الموجودة، ولم يشعر أحد بسنوات الجفاف السبع التى مرت علينا، ثم جاءت سبع سنوات غرقا، وطبعا من يعش هناك يعرف ما معنى فيضان، النيل كان مثل الفرس الجامح الذى يهدم كل شيء فى طريقه، وكنا نعيد بناء البيوت، فهو من هذا الجانب نعمة كبيرة. ومن جانب آخر صرنا نزرع الأرض على مدى العام، كنا زمان نزرع وقت الفيضان والشهور الثلاثة بعد الفيضان نحصد وفقط، وهذه نعمة كبيرة لأن البشر زادوا، فمن أين كانوا سيأكلون لو لم تزد فترات الزراعة.  ونأتى للسلبيات ولا أحد يعرفها أكثر منى، مصر كانت وحدة واحدة طول عمرها , مسلمين ونصارى, غنيا وفقيرا، وقت الفيضان كان الجميع معا كتلة واحدة نساعد بعضنا البعض، الآن أُقفلت الأبواب، كل واحد يقفل على نفسه وحاجياته، والناس بنوا بيوتا من الطوب بدل بيوت الطين، فمن هذه الجهة تعلم الناس الفردية أو الفردانية.

 ما الذى تبقى من حراجى القط؟

تقدرى تقولى ما الذى تبقى ممن حاربوا فى حروب مصر وضحوا سواء من فقدوا أولادهم أو الشباب الذين راحوا؟! تقدرى تقولى ماذا تبقى ممن بنوا المصانع؟؛ الدنيا تتغير.. هذه المصانع تباع وبطوننا التى ربطناها فى انتظار خير هذه المصانع مضطرين نربطها بصورة أقسى.

نحن نعيش ظرفا تاريخيا شديد الصعوبة، ظرفا ليس فيه بناء مثل بناء السد العالي، وحتى هجرة النوبة، نحن الآن نعيش فترة ليس فيها إلا أصحاب المال، ومن يخدّمون على امتلاء بطونهم؛ لا مصر عندها مشروع قومى، ولا تقاوم ضد الإهانة، ولا هناك عين تلتفت إلى الشعب المصرى.

 مصر تعيش فترة تبحث فيها بصعوبة عن مصر لا تبحث عما تبقى من حراجى القط!!

يعنى مثلا لما رحت أتكلم مع أم علىالتى كانت تصنع لنا الشاى والطعام فى القناة وقت حرب السويسبعد كل هذا الزمن، وهى هناك عندها جلطة، جلست تتذكر الزمن فقالت لى: خلاص الزمن صار غير الزمن، وفعلا الآن تجد كل حاجة "شبه"، يعنى مصر شبه مصر؛ شباب مصر شبه الشباب؛ الحرية والديمقراطية شبه الحرية والديمقراطية، كله لم يعد حقيقيا؛ الشعر شبه الشعر؛ السياسة شبه السياسة، يعنى كله موجود تراه من وراء زجاج وليس حقيقة تلمسها بيديك.

- هل عندك استعداد لأن تعلن موت حراجى القط؟

لا طبعا وإلا مصر ستموت، ونعيش بلا أمل؛ وإلا أكون أنا أيضا مت؛ يعنى لو الدنيا كلها ماتت أنا مستعد أن أموت على أعتاب الوطن شهيدا، وأنا فى هذه السن، لا لم يمت حراجى القط، فهو رمز ولا شيء يموت فى مصر؛ مصر مرت عليها فترات من القسوة والبشاعة والهلاك، وفى النهاية خرجت من هذا كله لأنها كائن لا يموت، هى كائن خالد فى الحياة، هى أول من فتح أبواب التاريخ، وأنا رأيى الخاص أنها هى آخر من سيغلقها، يعنى مصر القديمة ستقوم من جديد، أعرف أن كلامى هذا يبدو غريبا أو بعيدا، ولكننى واثق فى أنه سيحدث، نحن فقط فينا عيب أننا نتبع القدوة، نتبع الفرعون، إن صَلُح صلُحنا وإن فسَد فسدنا، لما تنظرى إلى مصر فترة البناء والحروب أيام عبد الناصر، الناس كلهم كانوا أفضل من بعض؛ إنما الآن - زمن مباركلا تجدين وطنية أو انتماء، أنت الآن لما تقولى الوطن ,الشباب يمكن أن يسخروا منك. ولكن الأكيد أن مصر سيأتى زمن لن يقدر فيه عليها أحد، ويمكن أن توحد الأمة العربية كلها مرة أخرى، وترجع لدورها القديم الذى تلمّسه عبد الناصر و ربما لم يحققه كاملا.

 هذا الديوان كتب بعد النكسة فكيف لا نجد فيه أى أثر للنكسة؟

 

لأن تجربة السد العالى كانت تجربة نصر، كان هذا الانتصار الوحيد الذى عشناه فى حياتنا كلها، يعنى التحدى الذى بدأ بالبنك الدولى ثم بدأوا يتحرشون بنا، ثم الدول الثلاث التى حاربتنا: فرنسا وإنجلترا وإسرائيل، وطبعا أمريكا من بعيد، كل هذا والشعب يقاوم، لما تنظرى إلى المقاومة فى بورسعيد وكان أبطالها من أصدقائى، ومنهم من لايزال على قيد الحياة ويزوروننى للآن، ويتعحبون من حال الناس الآن، هؤلاء تجربتهم مريرة، هؤلاء عاشوا فترة من الزهو الوطنى، ووضعوا رقابهم على أيديهم، أجدهم مستغربين من الناس، وكأن ما عاشوه ذلك الزمن كله من اختراعهم، من شدة التغيير المهول فى القيم والرؤى، قيمتك الآن فى مصر بالجنيه، زمان كان الواحد قيمته بموقفه

 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg