رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

فى حوار نادر حول «العزيمة».. وفاطمة رشدى .. وسينما الثلاثينيات الفريد فرج يسأل.. وصلاح أبوسيف يجيب

 

فى حوار نادر حول «العزيمة».. وفاطمة رشدى .. وسينما الثلاثينيات    الفريد فرج يسأل.. وصلاح أبوسيف يجيب
 
كمال سليم 
- صاحب «العزيمة» تراجع  عن واقعيته وانحاز لصينية البطاطس ففشل «إلى الأبد»  
- عزيزة أمير اتفقت مع كاتب تركى لإخراج فيلمها الأول (ليلى) بعلبة سجائر و3 وجبات يوميا  
- كنا نعمل فى ستديو مصر براتب شهرى وكان أجر كمال سليم 25 جنيهاً وأحمد بدرخان 30
- بعض المشاهدين كانوا يعتقدون أن الفيلم تم تصويره فى حارة حقيقية وليست ديكورا

فيلم يقف وحده فى سياق السينما المصرية، ويتميز فى هذا السياق بأنه أول فيلم أدخل الحارة المصرية الشعبية إلى بلاتوه الاستوديو بقصة حب وكفاح واقعية. ومخرج يحيط الغموض بشخصيته، ويلفها الضباب، ثم كانت وفاة كمال سليم الفجائية عام 1946 ، وهو لم يبلغ من العمر إلا 33 عاما، ونسيانه ونسيان فيلمه بعد ذلك مما زاد الفيلم وصاحبه غموضًا، وإذا كان فى الوسط السينمائى شخص يستطيع أن يتحدث عن الفيلم وعن مخرجه، فهذا الشخص هو صلاح أبوسيف.. هكذا كتب الفريد فرج فى مقدمة حواره مع أبوسيف , ثم يواصل:

 

كان صلاح أبوسيف  صديقًا لكمال سليم وزميله فى العمل وفى الحياة فى مطلع الشباب، وأول النجاح وأول الفشل أيضًا، كما كان شريكه ومساعده فى الإخراج وفى إعداده السيناريو وفى المونتاج لهذا الفيلم البارز، لهذا طلبت من صلاح أبوسيف أن يتحدث لنا عن الفيلم وعن المخرج، وأن يُقلب لنا بعض الصفحات من تاريخ السينما العربية فى مصر..

بأى شىء يختلف فيلم "العزيمة" عن أفلام عصره؟

 

قال صلاح أبوسيف: كان المجرى العام للسينما وسياقها فى ذلك الوقت يتفق مع ما ذكره أحمد بدرخان فى مقدمة كتابه عن السينما.

يقول بدرخان: إن الناس يذهبون للسينما ليهربوا من واقعها.. والمتفرج لا يُريد أن يتفرج على نفسه أو على مجتمعه، وإنما يريد أن يرى عالـمًا من الأحلام، وقد اعتنق بدرخان هذا الرأى طوال حياته، وكان هو الرأى الشائع بمصر وفى العالم أيضًا، لذلك كان أبطال السينما المصرية زمن «العزيمة» يرفلون فى بِدَل (السموكنج) و(الفراك)، ويعقدون الحفلات فى صالونات أنيقة , يشربون الشمبانيا، ويتحدثون فى أبهاء واسعة ذات سلم داخلى له فرعان يلتقيان فى الدور العلوى.

فى هذا الجو السينمائى الساحر، جاء كمال سليم بـ (ولى الدين سامح) الديكوريست، ليبنى له فى الاستوديو حارة شعبية، وعقد البطولات لابن الحلاق وابنة الفران، وروى قصة حب وكفاح شاب من قاع المجتمع يشبه عشرات الآلاف ممن سيتفرجون عليه فى السينما، ويكافح مثلهم للصعود بالعلم والهِمة وبالصدق ضد ظروف اجتماعية قاسية ومعاكسة.

ومن مهارة وإبداع ولى الدين سامح، واهتمامه لأول مرة فى السينما بالتفاصيل الدقيقة للبيئة الشعبية، شهدت بنفسى بعض المتفرجين وهم خارجون من السينما يتجادلون بحدة، بعضهم يقول إنه يعرف الحارة التى فى الفيلم، وإنها تقع وراء شارع محمد علي، وآخر يجادل فى أن تلك بالذات حارة يعرفها فى درب العتبة، فقد كانوا يظنون أن الكاميرات قد صورت الفيلم فى حارة حقيقية، من فرط اقتناعهم بمصداقية الفيلم.

إذا كان فيلم «ليلى» لعزيزة أمير هو باكورة إنتاج السينما المصرية فإننى أعتبر (العزيمة) هو شهادة الميلاد للسينما (مصرية الهوية).

 تعنى أن الفيلم أثر فى مجرى السينما من بعده؟

نعم، إن أفلاما كثيرة من بعده لم تقلد جو الحارة فقط، وإنما تأثرت بلهجة الحوار ولغة التخاطب فى (العزيمة) والتى تميزت بطابع اللهجة للحرفيين، كما انتشرت فى السينما المصرية من فيلم (العزيمة) أنماط الشخصيات التى تميز بها الفيلم.

ولكن هذه الأنماط كانت واردة فى المسرح فى ذلك الوقت، فيما أظن؟

إلى حد ما، نعم، ولكن (العزيمة) كان له فضل نقل هذه الأنماط إلى لغة السينما واستخدامها فى إبداع علاقات إنسانية واقعية يتميز بها الفيلم وحده، الفيلم له فضل تقديم أبطال شعبيين فى ظروف حياة واقعية، يعانى ما يعانيه الناس العاديون فضلا عن تقديمه قصة كفاح ذات مغزى للشباب.

  كيف تقيّم أنت الفيلم اليوم؟

أعتبره أهم الأفلام المصرية، إننا نرى فيه الآن الكثير من الهنات والعيوب الفنية والتقنية، وعلى رأسها التمثيل عموما، وتمثيل فاطمة رشدى خصوصًا، فقد كان أسلوب تمثيلها مسرحيا أكثر منه سينمائيًّا، ولكن الفيلم مع ذلك منعطف مهم جدا فى تاريخ السينما، فضلا عن أنه فى زمنه وفى السياق العام للسينما كان شيئًا كبيرًا جدا، وقد نجح نجاحا فاق كل تصور، ومع استمرار عرضه كانت إيراداته تتصاعد، وأثنى عليه فى الصحف كل النقاد الكبار، بل انضم إلى النقاد والكتاب فى الثناء عليه أساتذة الجامعة الأجانب الذين كتبوا عن الفيلم كثيرا فى الصحف الأجنبية التى كانت تصدر فى مصر. 

 

 طلعت  حرب ودروه 

حدثنا عن السينما عام 1938 من كان نجومها ومن كان المخرجون؟

كان باستوديو مصر عدد من المخرجين، أحمد بدرخان، نيازى مصطفى، توجو مزراحى، محمد كريم..، فضلا عن الأجانب الذين انضموا للاستوديو منذ إنشائه بصفة خبراء، وكانوا فى الواقع أفاقين، ومعلوماتهم فى المهنة سطحية وبسيطة، ومنهم «فيتز كرامب» الذى أخرج بعض الأفلام.

عندما أنشأ طلعت حرب فى رئاسته لبنك مصر الاستوديو عام 1935 استدعى المصريين الذين كانوا يدرسون السينما فى الخارج، ومنهم نيازى مصطفى وولى الدين سامح (ديكور) ومصطفى والى (مهندس صوت)، وكلهم كانوا يدرسون بألمانيا، وهم الذين نفذوا مشروع الاستوديو، كما أرسل طلعت حرب بعثات أخرى للدراسة فى الخارج، منهم أحمد بدرخان وحسن مراد والمصور عبدالعظيم وموريس كساب.

وإنشاء استوديو مصر غيّر جو السينما كله فيما بعد.

ماذا كانت السينما قبل استوديو مصر، وحين بدأت؟

بدأت السينما بعزيزة أمير وبدر لاما عام 1937، وخلال عشر سنوات من البداية كان نجوم السينما إلى جانب عزيزة أمير وبدر لاما هم محمد عبدالوهاب وعلى الكسار وأحمد جلال، كانت السينما شيئًا جديدًا فى العشرينيات، وكانت عزيزة أمير نجمة كبيرة بمسرح رمسيس، سافرت فى إجازة إلى أوروبا فاكتشفت السينما، وعادت وفى عزمها هذا الفن الجديد.

وكان فى القاهرة شاب تركى اسمه (وداد عزمى)، وهو كاتب مسرحى ويفهم قليلا فى السينما، فتعاقدت معه على الإخراج والتمثيل أمامها، وكان هذا أول عقد سينمائى أبرمته معه كمنتجة، ولعله أغرب عقد فى عالم السينما، فقد اشترط وداد عزمى فى العقد إلى جانب أجره أن ينال من المنتجة علبة سجاير كل يوم ماركة (لاكى سترايك) أو (كامبل)، وأن يتناول على حساب الإنتاج ثلاث وجبات طعام يوميا، بالإضافة إلى السكن، فأسكنته عزيزة أمير بفيلتها بجاردن سيتى، وصار يتناول الطعام على مائدتها.

واتفقا على قصة فيلم "ليلى،" وبدآ التصوير فى صحراء الهرم، ولكن عزيزة أمير اكتشفت بعد حين أن وداد عزمى الذى يمثل أمامها الدور الرئيسى إلى جانب الإخراج ظل يصوّر نفسه لأيام وأسابيع من كل زوايا، راكبا الحصان، ويهملها هى!

والسينما كانت صامتة آنذاك، ويكتبون على الشاشة من حين لآخر بعض التوضيحات أو بعض العبارات كحوار، فغضبت عزيزة أمير من وداد عزمى لأنه أكثر من الكتابة تحت صورته عبارات مثل «وراح الشاب الوسيم يتلفت حواليه»!

وبعد مرور شهور وهو يسكن ويأكل ويدخن (اللاكى سترايك) على حساب الإنتاج اتهمته عزيزة أمير بأنه لا ينوى إلا تصوير نفسه فى الصحراء على الحصان، وتسمية نفسه بالشاب الوسيم على الشاشة مع كل لقطة، ففسخت العقد وطردته من الفيلا.

كان حول عزيزة أمير الفنان (ستيفان روستى) والصحفى أحمد جلال وأخوه حسين فوزى، وكانوا شلة من هواة السينما فأكملوا لها الفيلم.

وقد نجح الفيلم، وقصته تدور حول فتاة بدوية فقيرة (ليلى) وخطيبها ترجمان يرافق السياح، فتقع فى غرامه سائحة أمريكية، بينما (ليلى) حامل منه.

كان وجه (عزيزة أمير) شرقيًا وحلوًا، وأنتجت بعد فيلمها الأول فيلم (بنت النيل) من إخراج ستيفان روستى.

 وهل كان فيلم (ليلى) هو البداية؟

لا.. كان الأخوان لاما وهما فلسطينيان ممن هاجروا إلى أمريكا الجنوبية، قد عادا واستقرا فى الإسكندرية، وأحضرا معهما معدات سينمائية، وأنتجا فيلم (قبلة فى الصحراء) من أفلام المغامرات بأسلوب أفلام (رودلف فالنتينو) النجم المتفرد لذلك العصر، كان الفيلم يختلف عن الفيلم الميلودرامى لعزيزة أمير، وقد عرض فيلم (أولاد لاما) بالإسكندرية فى شهر مايو، وعُرض فيلم عزيزة أمير بالقاهرة فى نوفمبر من العام نفسه بسينما (متروبول)، وحضر حفل افتتاح (ليلي) الباشوات وأعيان البلد، وعلى رأسهم طلعت حرب مؤسس بنك مصر، ولم يكن استوديو مصر قد أنشئ فى ذلك الوقت، ولكن البنك كان قد أسس شركة مصر للتمثيل والسينما، وكان يملك معملا لتحميض الأفلام فى مبنى مطبعة مصر بشارع نوبار، وينتج (الجريدة السينمائية)، ويُخصصها للدعاية والإعلام عن نشاط البنك وشركاته.

فيلم (ليلى) دفع البنك لإنشاء الاستوديو.. ولكن الاستوديو الذى بدأ العمل عام 1935 لم يكن أول استوديو للسينما بمصر، أول استوديو أنشأه يوسف وهبى (بمدينة رمسيس) فى إمبابة مع مدينة للملاهى ومسرح رمسيس، وكان استوديو رمسيس على طراز استوديوهات السينما الصامتة، سقفه وجوانبه من الزجاج ليغمره ضوء الشمس، وأنشئ استوديو مصر على أحدث طراز فى وقته.

 

كمال سليم 

 فى هذه البيئة السينمائية نشأ كمال سليم، فمن هو وكيف تعلق بالسينما؟

كان أبوه تاجرًا كبيرًا اسمه عبدالغنى عبده، وكان من الموسرين، ومن رجال حزب الوفد، حصل كمال على شهادة الكفاءة (الثانوية)، واستهوته السينما فحاول السفر إلى فرنسا لدراسة هذا الفن الجديد، ولم تكن عنده أوراق سفر، فضبط فى فرنسا وسجن وأعيد إلى مصر، حاول تثقيف نفسه بالقراءة، وكان يقرأ الإنجليزية والفرنسية، وكانت فى القاهرة جمعيات لهواة السينما يحاول أعضاؤها تصوير أفلام قصيرة، كاميرات الهواة آنذاك كانت أفلامها لا تزيد على 30 قدمًا فهى قصيرة جدا، لا تكفى لتصوير مشهد واحد، فكان الهواة إذا صوروا شخصا يقتل آخر وينتهى شريط الفيلم يصيحون بالممثل: "اثبت كما أنت حتى نغير الفيلم"!.

انتمى الشاب كمال سليم لهذه الجمعيات فضلا عن أنه كان يقرأ بنهم، وكانت بشارع عماد الدين مكتبات فى البدرومات يتم النزول إليها بسلم من الشارع، وتبيع الكتب المستعملة بأسعار غير محددة، وكان أصحاب المكتبات يعرفون كمال سليم، ويعلمون أنه يفهم فى الكتب وأنه مثقف، فكان إذا اختار كتابا لشرائه يبالغون فى السعر، إذ يعلمون أنه كتاب مهم وثمين، فكان كمال يأخذنى معه إلى المكتبة، ويشير إشارة خفية إلى الكتاب فأشتريه له.

وكان الشاب كمال معجبًا برودولف فالنتينو نجم ذلك العصر، انظر إلى صوره تجده يرسل سوالفه على طريقة فالنتينو، ولما مات فالنتينو أقام له العزاء فى بيته ليتقبل فيه التعازى!

أنشئ استوديو مصر وأرسل طلعت حرب بعض الشباب فى بعثات لدراسة السينما، وكان والد كمال سليم قد مات، فراح كمال لمقابلة طلعت حرب ليرسله فى بعثة، ولكن الباشا اكتفى بتوظيفه فى البنك أولا، ثم فى الاستوديو عند افتتاحه، حيث التحق كمال بقسم السيناريو، ولكنه بعد قليل فصل من الاستوديو بسبب مشادة بينه وبين بعض العاملين بالاستوديو.

وبعد فصله أخرج كمال سليم أول أفلامه (وراء الستار) لحساب شركة أوديون للإسطوانات، من تمثيل رجاء عبده وعبدالغنى السيد، وكان الفيلم مجرد قصة ملفقة لتنتظم أغانى المطربة والمطربين الناشئين فى ذلك العهد، الفيلم لم ينجح ونسيه التاريخ.

جاء صيف عام 1938 ولم تكن فى استوديو مصر أفلام جاهزة للتصوير، وكان مدير الاستوديو الأستاذ حسنى نجيب فى إجازة بالخارج وتولى الإشراف على الاستوديو فؤاد سلطان باشا عضو مجلس إدارة بنك مصر، الذى أبدى امتعاضه من توقف العمل بالاستوديو، فاقترح أحمد بدرخان قصة فيلم لكمال سليم اسمه (فى الحارة)، فاستدعى الباشا كمال سليم الذى قرأ له ملخص الموضوع فأعجبه، ولكن لم يعجبه اسم الفيلم، واقترح تسميته (العزيمة)، لأن البطل نجح بعزيمته وتغلب على الصعاب بقوة إرادته فبدأ التصوير.

 عجيب أن الذى رشح الفيلم هو بدرخان الذى كان من رأيه أن السينما دنيا للأحلام

 وعجيب أن الباشا لم يزعجه فى القصة فساد ابن الذوات مع استقامة ابن الحلاق وقيادته للعمل

بدرخان كان صديقا لكمال، وكان للواقع معجبا بالموضوع على رغم قناعاته المعروفة، كان بدرخان وكمال ونيازى مصطفى أصدقاء، وينظر إليهم كشباب السينما المتعلمين، وهم من الجيل الثانى بعد جيل الرواد محمد كريم وتوجو مزراحى والأجانب.

 لعل بدرخان رأى فى القصة ما استهواه وهى حكاية الحب والصعود، وفيها جانب يمكن أن يداعب أحلام الجمهور، ولعل سلطان باشا أيضا رأى توافقا مع الفكر السائد وقتها عن الشخصيات العصامية، وحق الصعود الاجتماعى بسلاح النبوغ.

نعم، ربما.. يجوز، الفن الجيد يمس كل نفس بما تحب.

يستأنف صلاح أبوسيف حديثه قائلا: بدأ كمال سليم التصوير، وكنت معه فى كل شيء، فى السيناريو، فى تصوير الديكور، فى توزيع الممثلين.

وكان كمال سليم عائدا إلى الاستوديو بعد فصله بسب مشاجراته مع العاملين بالاستوديو، وكلما تقدم التصوير ازداد العاملون بالاستوديو نفورًا من كمال وضيقًا بالفيلم وبنا، وتهكمًا علينا أيضا، حيث بنينا فى الاستوديو بدل البهو والسلم ذى الفرعين، حارة فقيرة ومشربيات مهشمة، وبدل الفراء والسموكنج يمشى ممثلونا بالجلابيب واللاسات ويتحدثون بلهجة الحرفيين.

كان كمال يضيق بموظفى الاستوديو والفنيين العاملين معه، ويبدو أحيانًا فظًا وصارمًا ومعتدًا بنفسه وعمله جدا.

وقد كان كمال كما عرفته شابا قوى الشكيمة، أتذكر أنه مرة أجريت له عملية جراحية فأبدى الطبيب دهشته، حيث لم يتوجع كمال أبدًا، وكتم آلامه حتى شفى تماما!

ومع ذلك كنت أنا أراه غير ما يراه الناس، كان بيننا اتصال روحى، بل وتوارد خواطر عجيب، كنت أشرع فى إبداء ملحوظة فنية أثناء العمل فأجده يقاطعنى ليقولها لى كان التفاهم بيننا عميقا.

وكانت الحلقة الضيقة من فنانى الفيلم على وفاق وتفاهم كبيرين، كنا جميعًا من الشباب، نحب السينما ونحب الفيلم وتثيرنا جرأة التجربة، وأُلف جو الحارة الجديد على السينما آنذاك.

هل تعاونت أنت وكمال فى غيره من الأفلام؟

حدث شيء عجيب بعد فيلم (العزيمة)، بعد النجاح المذهل للفيلم، فى الإيرادات وفى النقد الصحفى وفى كل الأوساط، شرع كمال سليم بمجموعة الفنانين والفنيين نفسها فى عمل جديد، مستثمرًا نجاح المجموعة ونجاح الفيلم، وفى الجو نفسه: الحب فى الحارة وهو فيلمه الثالث (إلى الأبد).

لكن الروح لم تكن هى الروح؟

كنا فى (العزيمة) فريق عمل أشد ما نكون تقاربا وتفاهما، فإذا بنا فى (إلى الأبد) أعداء ألداء!

يثيرنا البغض ونتشاجر باستمرار! عشنا جوا من النزاع الذى يكاد يصل فى بعض الأحيان إلى التضارب بالأيدى، يهزأ بعضنا بالبعض، ويخنقنا الغيظ والحنق فى ذروة العمل بشكل عجيب.

ما الذى حدث؟

لا أعرف وأنا أتذكر بعد كل هذ السنين، هل أدار رؤوسنا نجاح العزيمة؟ هل ركبنا الغرور؟ لا أذكر أن أحدًا منا بالذات كان السبب فى إشاعة هذه الروح، كنا كلنا مذنبين ومشاغبين، كلنا ضيق الصدر مستنفر للعدوان.

وهى عبرة استفدت منها طوال حياتى.

إن العمل الجماعى وتعاون الفريق هو الطريق إلى النجاح، فضلا عن أنه الشرط الأساسى للاستمتاع بالعمل نفسه وبالإبداع فيه، كان ذلك الفيلم درسا بليغا لي، فقد كنت فى غاية العجب من أمره، أذهب للسينما وأراه فأجده فيلما جيدا وجديرا بالإقبال والنجاح، ولكن الناس لا يحبونه ولا يقبلون عليه، وأسأل نفسى لماذا فشل الفيلم؟ ولا أجد إجابة إلا أنه فيلم بلا روح، إن روح الفريق المتآلف هى التى تبث الروح فى أى فن.

 هذا الدرس تعلمته من (إلى الأبد)    بعد "إلى الأبد" أخرج كمال سليم فيلما اسمه (قضية اليوم) عن مشكلة المرأة بين البيت والعمل، أنور وجدى وعقيلة راتب زوجان يشتغلان بالمحاماة، ويتعرضان لمشاكل عمل المرأة، الغريب أن كمال سليم وجه القصة ضد قناعاته ورأيه ليرضى الجمهور، فهو شخصيا كان من أنصار تحرير المرأة وحقها فى العمل، ولكن الفيلم كان دعوة ضد عمل المرأة، فلما فسدت حياة الزوجين عادت المحامية إلى رشدها،  وآمنت مع زوجها بضرورة جلوس المرأة فى البيت.

أخرج كمال سليم الفيلم ضد رأيه هو، لكى يعجب الجمهور، ولكن الجمهور لم يعجبه الفيلم!

(العزيمة) بهر الناس، ولم يصل فيلم بعده إلى ما وصل إليه، كما لم يصل كمال سليم نفسه إلى مثل نجاحه فى (العزيمة) بعد ذلك.

 أعجب من فنان أو أديب أو كاتب يجامل غيره فى رأيه، ويظن أنه لم يخرج بذلك عن أصول مهنته؟

انتصر كمال سليم فى هذا الفيلم لصينية البطاطس التى كان الكثيرون يرون أنها الصنعة الأصيلة للمرأة، تذكر أن توفيق الحكيم نفسه كان ينتصر آنذاك لصينية البطاطس خلافا ربما لرأيه المتأثر بتحديث المجتمع على الطريقة الأوروبية، وله مسرحية اسمها (المرأة الجديدة) فى هذا المعنى تندد بخروج المرأة للعمل.

 نعود لكمال سليم.

خرج كمال سليم بعدها من استوديو مصر إلى القطاع الخاص.

  يعنى استوديو مصر كان قطاعا عاما؟

نحن الذين كنا نشتغل فى استوديو مصر كنا نحس بشموخ واطمئنان على المعاش وحرية فى الابتكار الفنى، كأننا فى سينما القطاع العام.

وهل كنتم تتقاضون أجورا أكبر؟

كان الاستوديو يعطى رواتب لا أجورا بعقود، كنا موظفين، كان كمال سليم مخرجا براتب شهرى قدره 25 جنيها، وكان راتب المخرج بدرخان 30 جنيها.

وفى نهاية الفيلم كان الاستوديو يوزّع مكافآت للعاملين تصل إلى 50 جنيها للفرد، بينما كان أجر الإخراج لدى المنتجين الأفراد يتراوح بين 200 و500 جنيه للمخرج، ولكن العاملين باستوديو مصر كانوا فخورين بالانتماء إليه.

أخرج كمال سليم خارج استوديو مصر فيلم (شهداء الغرام)، وهو مقتبس من مسرحية (روميو وجولييت)، ثم فيلم (البؤساء) وهو مقتبس من قصة فيكتور هيجو، هذا الفيلم من أحسن الاقتباسات المصرية للقصة، ومثله عباس فارس وسراج منير وأمينة رزق، ثم أخرج فيلم (حنان) بطولة فتحية أحمد وبشارة واكيم، وكان فيلما فاشلا جدا، ثم شرَعَ فى إخراج اقتباس لرواية (مرتفعات ويذرنج) ولم يكمل الفيلم، مات فجأة بالسكتة القلبية، ففقدته السينما وهو فى سن 33 عاما.

 أين نضع كمال سليم بين معاصريه؟

هو علامة فى السينما المصرية ويتقدم جميع معاصريه بخمس أو ست درجات، كان تفكيره يتميز بالأصالة مع اتساع ثقافته، وكان يجيد فن كتابة السيناريو إجادته لفن الإخرج، وهو شيء نادر فى السينما دائما، هو الذى كتب سيناريو (العزيمة) والحوار كتبه بديع خيرى.

بماذا كان يقاس النجاح لأفلام ذلك العهد؟ وهل كان التوزيع الخارجى عاملا مهما؟

كان التوزيع الخارجى ضعيفا جدا ولا يتعدى سوق سوريا ولبنان، وكانت الأفلام التى توزع فى الخارج غالبًا الأفلام الغنائية أو الأفلام البدوية التى ابتكر لغة حوارها المدهش بيرم التونسى، ولكن الأفلام الواقعية والمحلية الطابع كـ(العزيمة) لم تكن مرغوبة فى الخارج، وكان مثل هذه الأفلام يغطى تكاليفه إذا نجح النجاح العادى فى السوق المصرية، كان يتكلف فى استوديو مصر من 10 آلاف إلى 12 ألف جنيه، وكانت أفلام استوديو مصر تعتبر عالية النفقات وغالية آنذاك، وهذا أحد أسباب فخرنا بالاشتغال بالاستوديو حيث أذكر أن الفيلم من أفلام (أولاد لاما) مثلا كان يتكلف بين ألفى وثلاثة آلاف جنيه فقط.

 

بداية أبو سيف 

 فى هذه المرحلة من السينما كيف بدأ صلاح أبوسيف الإخراج؟

قال صلاح أبوسيف: كنت موظفا فى الاستوديو واختصاصى المونتاج، وكنت ألح على المسئولين ليعطونى فرصة للإخراج، ولكنهم كانوا يستمهلوننى ويؤجلون ذلك القرار لخوفهم من أن أترك المونتاج فى وقت كان عدد فنانى المونتاج بمصر محدودا جدا، وكانوا يحاولون إرضائى برفع راتبى المرة بعد المرة، وبتكليفى بإخراج أفلام قصيرة ووثائقية، إلى أن أتيحت لى أول فرصة فأخرجت أول أفلامى وهو (دايما فى قلبى) مقتبس عن قصة "جسر واترلو"، ولكنى كنت دائمًا فى شوق للحارة وجو الحارة، وقد أخرجت فيه أحسن وأحب أفلامى، فقد وُلدت ونشأت فى الحارة، وأحس جوها وانفعل معها بالفطرة، أنا من مواليد بولاق، وتفكيرى ووجدانى قاهرى، وشخصيات حارات القاهرة أعرفها وأحبها، وأحب التفكير فيها وفى قضاياها.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg