رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

الأول من مايو.. قصة نضال يا عمال العالم .. احتفلوا

 الأول من مايو.. قصة نضال

- يا عمال العالم .. احتفلوا

- عيد العمال اختراع أمريكى برعاية اليسار

 

 

كوثر زكى

 

(ولدي الصغير .. عندما تكبر وتصبح شابا وتحقق أمنية عمري ستعرف لماذا أموت , ليس عندي ما أقوله لك أكثر من أنني برىء ,وأموت من أجل قضية شريفة ولهذا لا أخاف الموت , وعندما تكبر ستفخر بأبيك وتحكي قصته لأصدقائك)

كان هذا خطاب أوجست سبايز لولده جيم عقب صدور الحكم بإعدامه ضمن أربعة عمال أدينوا ظلما في قضية هايماركت أو مذبحة هايماركت التي تعد بداية التأريخ لعيد العمال في العالم ، فما هي قصة ذلك اليوم المشؤوم في تاريخ نضال الحركة العمالية العالمية؟ بدأت فكرة عيد العمال يوم 21 من  أبريل 1856 في أستراليا حيث لم تحظ بانتشار كبير على مستوى العالم، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1869 بعدما شكل عمال صناعة الملابس بفيلاديفيا ومعهم بعض عمال الأحذية والأثاث وعمال المناجم تنظيما نقابيا يجمعهم ويكافح من أجل تحسين الأجور وتخفيض ساعات العمل، واختاروا الأول من مايو من الأعوام التالية كمناسبة لتجديد المطالبة بحقوق العمال.

 

شهد أول مايو من عام  1886 أكبر عدد من الإضرابات العمالية فى يوم واحد فى تاريخ أمريكا , حيث وصل  عددها فى هذا اليوم إلى نحو خمسة آلاف إضراب ,واشترك فى المظاهرات نحو 340 ألف عامل وكان الشعار المشترك لأحداث هذا اليوم هو «من اليوم ليس على أى عامل أن يعمل أكثر من 8 ساعات».

وفى مدينة شيكاغو احتشد العمال وتظاهروا مطالبين بتخفيض ساعات العمل وكان شعارهم ( ثماني ساعات عمل .. ثمانى ساعات راحة .. ثمانى ساعات للنوم)

و نتيجة للإضراب العام فى كل من شيكاغو ، إلينوى ، ومعظم الولايات الأمريكية التى شارك فيها عموم العمال ، والحرفيون والتجار والمهاجرون , تدخلت الشرطة لإنهاء الإضراب حيث فتحت النار على المضربين وسقط بعض القتلى من العمال فى شركة ماكورميك للحصاد الزراعى ، وتجمع حشد كبير من الناس فى اليوم التالى فى ساحة هايماركت . وظل الحدث سلميا إلى أن تدخلت الشرطة  مجددا لفض هذا الحشد ، فألقى مجهول قنبلة وسط حشد الشرطة ،مما أدى إلى وفاة ما لا يقل عن اثنى عشر شخصا بينهم سبعة من رجال الشرطة ، وتلى ذلك محاكمة مثيرة للجدل ، حيث تمت محاكمة ثمانية من نشطاء الحركة العمالية بسبب معتقداتهم السياسية ، وليس عن تورطهم فى التفجيرات ، وصدر حكم الإعدام بحق أربعة منهم, وهم أوجست سبايز ، وأودولف فيشر ، وألبرت بارسونز وجورج إنجيل, ليكتبوا بدمائهم واحدة من أهم صفحات النضال في تاريخ الحركة العمالية العالمية ,  وتظل ذكرى  « شهداء هايماركت « فى الذاكرة شاهدة على الأول من مايو كيوم لا ينسى للإنجازات الاجتماعية الاقتصادية للحركة العمالية..

وقد تلت أوروبا الولايات المتحدة في الحراك العمالي , حيث تمت الدعوة لمظاهرات متزامنة فى المدن الأوروبية يوم الأول من مايو 1890 من أجل المطالبة بقانون يحدد ساعات العمل بثمانى ساعات  يوميا.  وكان  اتحاد العمل الأمريكى قد قرر مسبقا أن ينظم مظاهرات مشابهة فى اليوم نفسه, فجاءت المظاهرات على مستوى العالم لتفوق كل التوقعات وقد كان أحد أسباب نجاح ذلك هو توحيد التوقيت بالإضافة إلى تزامنه مع انتصارات مهمة للحركة العمالية  في العديد من البلدان وحدوث تقدم كبير فى وعى وثقة الطبقات العاملة الأوروبية, ففى بريطانيا- مثلا - تكونت موجة جديدة من النقابات إثر الإضراب الضخم لعمال الموانئ فى عام 1889 ,وفى ألمانيا حقق الاشتراكيون مكسبا مهما حين رفض البرلمان الألمانى  فى نفس العام الإبقاء على قوانين مناهضة للاشتراكية واستطاع الحزب أن يضاعف من أصواته فى الانتخابات العامة واستطاع أن ينال أكثر من 20 % من مجموع الأصوات . 

وعلى الرغم من أن هذا اليوم كانت بوادره من الولايات المتحدة فإن الفضل فى انتشاره والاهتمام به على مستوى العالم يعود فى الأساس إلى التشكيلات النقابية والحركات اليسارية.

عيد العمال فى مصر 

على الرغم من أن النظام الصناعى فى مصر بدأ منذ عهد محمد على  فإنه لم يتبلور فى شكل علاقات عمل طبيعية ، فلم يكتب له النجاح نظرا لمغامرات محمد على السياسية والعسكرية والطرق التى كان يتم بها جمع العمال للعمل فى المصانع آنذاك بشكل جبرى ,ثم جاء الاستعمار البريطانى الذى بقيت مصر تحت وطأته زمنا طويلا يعمل جاهدا لعرقلة نمو الصناعة المصرية والاكتفاء فقط ببعض الصناعات التكميلية أو الترفيهية والمرتبطة في أغلبها بإنتاج القطن, ولكن حتى تلك الصناعات البسيطة الممثلة فى حلج وكبس القطن والنقل والسجائر والأثاث قد تطورت وكانت سببا فى نشأة غيرها من الصناعات حتى بلغ عدد العمال المشتغلين فى الصناعات والحرف والمهن المختلفة نحو 4162554 عاملا فى  1907 وقد أدى تطور الصناعات وغيرها إلى تقلص العلاقات الحرفية والطوائف إلى حد كبير مما تعين معه إصدار قانون يدشن المرحلة الجديدة المعتمدة على نظام العلاقات الصناعية فجاء قانون (الباتنتا)  الرخص الصناعية (عام 1890) ليقر مبدأ حرية العمل ولم يقتصر التطور على النشاط الصناعى فقط ، وإنما واكب ذلك أيضا تطور مواز فى النشاط الزراعى بعد تسلم الاستعمار البريطانى لزمام الأمور فى مصر ونشأة طبقة من كبار ملاك الأرض من الأجانب وكبار الموظفين ونشأة عدد من التفاتيش الزراعية التى تستخدم أساليب رأسمالية فى الزراعة ، الأمر الذى استدعى إلغاء السخرة رسميا فى عام 1889 بعد 48 عاما من صدورها قبيل حفر قناة السويس وتحديدا فى عام 1856، ولم يكن قانون السخرة قد صدر - بالتأكيد - بدافع إنسانى أو بسبب  الرغبة فى تحسين حال الفلاح أو العامل الزراعى بل إنه على العكس قد صدر بدافع اقتصادى بحت وهو الرغبة فى توفير الأيدى العاملة اللازمة للمشاريع الصناعية الكبرى) المتعلقة بالري في أغلب الأحوال مثل شق الترع أو إنشاء القناطر) خاصة بعد ازدياد معدلات  الهجرة من الريف للمدينة وارتفاع نسبة الهاربين من نظام السخرة على الرغم من أن متوسط أجور العمال فى لائحة السخرة كان يتراوح بين 25 ـ 30 مليما بجانب الجراية ، فى حين أن متوسط الأجور لم يزد بعد إلغاء السخرة عن 13 مليما فى اليوم ,وذلك لما كان يعانيه العاملون بالسخرة من قهر وفرض لعدد ساعات عمل غير محدودة والعيش في ظروف وأماكن غير آدمية. 

 

الحركة العمالية تفرض مؤسساتها وقوانينها       

كان للتطور الذى شهدته مصر فى ذلك الوقت وما استتبعه من صدور قوانين تنظم شئون الصناع وتلغى السخرة أثره الطيب على وضوح الانتماء الطبقى للعمال بغض النظر عن فوارق الجنسية أو اللغة، حيث كان فى مصر فى هذا الوقت نسبة كبيرة من العمال الأجانب، وكان من أهم الإضرابات التى شهدها القرن التاسع عشر إضراب عمال لف السجائر فى ديسمبر 1889 الذى كان هدفه رفع الأجور ،وبعد نجاح الإضراب الذى استمر حتى فبراير 1900  تيقن العمال أن استمرار وحدتهم هو وحده الكفيل باستمرار نجاحهم فتم إنشاء أول نقابة لهم فى مصر وهى جمعية لفافى السجائر بالقاهرة التى كان يترأسها طبيب يونانى يدعى « كريازى « وسرعان ما انتشرت خبرة وتجربة عمال لف السجائر إلى زملائهم العمال فى صناعات  أخرى حيث تكون عقب تكوين جمعية لفافى السجائر العديد من الجمعيات مثل جمعية اتحاد الخياطين بالقاهرة وجمعية عمال المطابع ،وجمعية كتبة المحامين وغيرها. 

 

محمد فريد والطبقة العاملة             

كان للزعيم الوطنى محمد فريد دور فريد ومؤثر فى الحركة العمالية وذلك  عند قيامه بإنشاء عدد من مدارس الشعب التى انتشرت فى العديد من أحياء القاهرة مثل بولاق وشبرا ثم امتدت إلى الإسكندرية والمنصورة وطنطا ، كما كان له أكبر الأثر في إنشاء الكيان النقابى الأقوى فى ذلك الوقت وهو نقابة الصنائع اليدوية والتى وصل عدد أعضائها إلى 800 عضو فى نهاية عام 1909 وأكدت مبدأ الثمانى ساعات , وعدم تشغيل الأحداث. لكن اشتداد ساعد الحركة العمالية كان له على الجانب الآخر دور كبير فى ضغط أصحاب رؤوس الأموال على الحكومة، فتم إصدار قانون التشرد فى1909 والذي يتم بموجبه إلقاء القبض على كل من ليس له محل إقامة ولا وسائط للتعيش وبذلك أصبح أى عامل يتم فصله من العمل وخاصة من شارك بأحد الإضرابات عرضة للحبس.

    

إضراب عمال المحلة      

كان إضراب عمال المحلة لشركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى يوم 2 من سبتمبر 1947 بمثابة مشكلة قومية ترددت أصداؤها في كل البلاد حيث إن عمال مصر للغزل والنسيج هم أكبر مجموعة من عمال يظلها سقف مؤسسة واحدة تجمع بين جدرانها 26000 ألف عامل، إلا أن الإضرابات المتكررة للعمال كانت لها أسباب تفوق تحملهم من كثرة الضغوط التى تعرضوا لها، حيث كان العامل لا يشعر بتحسن دخله رغم الجهد المضاعف الذي يبذله ، كما أصبح العمال يشتغلون على أربعة أنوال بعد أن كان الواحد منهم يعمل على نولين فقط ، كل ذلك مع هبوط فى متوسط الأجور.

إضراب عمال شركة الملح والصودا بكفر الزيات       

كان لعمال شركة الملح والصودا المصرية بكفر الزيات نصيب وافر من الكفاحات العمالية بعد الحرب العالمية الثانية، فى وقت كانت أسعار ضروريات المعيشة فى ارتفاع مستمر وتزامن ذلك مع ازدياد الوعى بين الطبقة العاملة . تألفت الشركة فى لندن ، وكان أول مدير مصرى لها هو « حسين بك فهمى» فى عام 1943 ، وكان كبار موظفيها من الأجانب وخاصة الإنجليز الذين كانوا يعاملون معاملة مميزة عن المصريين فى الأجور والمعاملات الأخرى، وكانت الشركة تعمل جاهدة على تفريق صفوف المصريين العاملين بالشركة وأمام هذه الضغوط تقدم العمال بمطالبهم التي تمثلت في  زيادة الأجور وزيادة مدة الإجازة السنوية وتوفير مساكن للعمال أسوة بالموظفين .          

فكان رد فعل الشركة تجريد بعض رؤساء الورش من سلطاتهم ونقل آخرين وإلقاء القبض على رئيس النقابة ووكيلها  واعتقال كل من حامت حولهم الشبهات مما دفع العمال إلى الإضراب، وفى يوم 11 /12/ 1947 نشرت الصحف بيانا للشركة جاء فيه : 

« قررت الشركة منح العمال كلهم راتب 32 يوما فى العيدين الفطر والأضحى وهذا بخلاف اعتمادها ألفي جنيه لصندوق ادخار للعمال يعينهم فى معيشتهم بالإضافة إلى ما يوزع من لحوم ومسلى وزيت وسكر وأرز وصابون ودقيق ، والشركة تواصل بناء المساكن للعمال واعتمدت لذلك مائة ألف جنيه لإقامة مؤسسات اجتماعية للعمال فى كفر الزيات.

 

..ويستمر النضال       

بعد ثورة يوليو 1952 وقعت فى مصر مجموعة من الحركات العمالية وكان من أهمها إضراب عمال كفر الدوار ، الذى تم قمعه بشكل عنيف مما كان بداية لوقف تطور الحركة العمالية فى مصر  حيث استمرت الحركة العمالية تحت القمع والتكبيل حتى أواخر الستينيات ، حيث وقعت إضرابات عمال حلوان عام 1968 احتجاجا على هزيمة يونيه ، تلك الإضرابات التي تعد الميلاد الثانى للحركة العمالية فى مصر ، إذ تلى ذلك في فترة السبعينيات العديد من الفعاليات  المماثلة ،ومن أهمها مظاهرات عمال حلوان فى عام 1971 للمطالبة بعلاوة الإنتاج ثم مظاهرات وإضرابات عمال شركة مصر المحلة فى عام 1975 ثم وقعت أحداث 18 و 19 يناير 1977 حيث توقفت مصانع حلوان عن العمل وخرجت المظاهرات الضخمة من العمال والطلبة والموظفين ، وفى عقد الثمانينيات وقعت احتجاجات عمالية وجماهيرية فى قطاع النسيج فى المحلة الكبرى وكفر الدوار والأسكندرية وشبرا وكذلك وقعت احتجاجات مماثلة فى قطاعات السكة الحديدية والحديد والصلب وغيرها،  وعند انتهاء مرحلة الثمانينات عرفت الحركة العمالية فى مصر مرحلة هدوء نسبى استمر حتى مطلع التسعينيات حيث بدأت سياسة خصخصة القطاع العام وما صاحبها من سياسات نظمت إخراج العمال على المعاش المبكر وحرمتهم الكثير من حقوقهم، مما أدى إلى تكرار الإضرابات والاحتجاجات والاعتصامات بداية من عام  2000 وحتى قيام الموجتين الثوريتين في 25 يناير و30 من يونيو اللتين كان للمشاركة العمالية فيهما دور فعال في إنجاحهما وترسيخ مكتسباتهما للشعب المصري، وللعمال في القلب منه. 

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg