رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

قبل فوات الأوان

بقلم رئيس التحرير

زينب عبدالرزٓاق

     

    بالتأكيد هناك شىء ما خطأ، بل هناك أشياء كثيرة خطأ ونحن نتابع هذه الأخبار المتواترة كل يوم وآخر عن تلك الأُم التي باعت أطفالها، أو ذلك الأب الذي قتل أولاده، أو ذلك الزوج الذي قتل زوجته، أو هذه الزوجة التي غدرت بزوجها، هذا الابن العاق لأبيه، هذا الأب قاسي القلب على الأبناء، هذه البنت المنفلتة، هذا الصبي المدمن، إلى غير ذلك من كثير مما يرتبط مباشرة بالأسرة، أو ما يمكن أن نطلق عليه إجمالاً: جرائم الأسرة. 

    ما الذي حدث للأسرة المصرية، ما الذي حدث مع الأبوين، ما الذي حدث للأم التي تعلمنا أن الجنة تحت أقدامها، الأُم التي كانت في العرف العام مدرسة، إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق، ما الذي حدث للأب الذي كان له إحترامه المقدس، يأمر فيُطاع، ويطلب فيُستجاب له، ما الذي حدث للأبناء، الذين كانوا فلذة الأكباد، ما الذي حدث للكبير واحترامه، وللصغير والعطف عليه، ما الذي حدث للمرأة عموماً باعتبارها الأُم والأخت والزوجة والابنة، تستحق العطف، وتستحق التكريم، أو هكذا كنا نعي. 

    بدا واضحاً أن التغيرات أصبحت كبيرة وكثيرة في مجتمعنا إلى الحد الذي لم نعد نستطيع مجاراتها أو استيعابها، الدراما لعبت دورها المسموم، كما الإعلام قام بدور غير محمود، بينما سارت العملية التعليمية إلى الهاوية، في الوقت الذي أصبحنا نفتقد فيه القدوة الحسنة، شريط الأخبار أصبح يحمل كل مساوئ الحياة، من الرشوة إلى السرقة إلى المحسوبية إلى استغلال النفوذ إلى إهدار المال العام إلى إهدار كل القيم، وهو ما ينذر بمزيد من التدهور. 

    أعتقد أن الأمر يستحق وقفة على كل المستويات، علماء النفس، علماء الاجتماع، علماء الدين، علماء القانون، علماء السياسة، علماء الاقتصاد، لابد من التشخيص السليم لوضع العلاج الصحيح، تشخيص الداء بدقة لكتابة الدواء بدقة أيضاً، ذلك أن الأمر أصبح بمثابة ورم سرطاني لا بديل عن استئصاله بعد أن أصبح ينهش في الجسد المصري على مدى الساعة، في الوقت الذي اعتدنا فيه متابعة انتشاره أولاً بأول دون أن يحرك ذلك ساكناً، وكأن ذلك هو الطبيعي وليس الاستثناء. 

    هي دعوة لأولي الأمر قبل فوات الأوان، دعوة إلى عقد مؤتمر موسع هو الأهم في تاريخ مصر الحديث، محاولة جادة لمواجهة الموقف، دعونا نصارح أنفسنا أولاً بحجم المأساة، حجم التشرد، حجم التسول، حجم الفقر، حجم العشوائيات، حجم التسرب التعليمي، حجم البطالة، حجم التضخم، حجم الطلاق، حجم العنوسة، وذلك حتى نستطيع المواجهة الشاملة للموقف بمنأى عن المزايدة والمكابرة. 

    لا يجب أبداً السماح بانهيار الأسرة المصرية أكثر من ذلك، لا يجب أبداً السماح لمثل هذه الممارسات أن تكون جزءاً طبيعياً من حياتنا، لا يجب أبداً الصمت على ما يجري، لا يجب أبداً التعامل مع كل واقعة باعتبارها حدثاً فردياً، ذلك أننا أصبحنا أمام ظاهرة، وهذه هي نقطة البدء التي يجب أن نعترف بها قبل الخوض في أية مناقشات يمكن أن تكون عقيمة حالة القفز على مجريات الأحداث.. إنها الأُسرة يا سادة. 

    جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
    راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg