رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

مائة عام على ميلاد الرئيس المؤمن..السادات.. بين الحرب والسلام وأخلاق القرية

بقلم رئيس التحرير

زينب عبدالرزٓاق

    هذا العام 2018، يمر مائة عام على ميلاد الرئيس الراحل أنور السادات، تحديداً 25 ديسمبر 1918، الرجل الذى ظل على رأس الحكم فى مصر منذ سبتمبر 1970 وحتى أكتوبر 1981، قبل هذه الفترة ومنذ أن تخرج فى الأكاديمية العسكرية عام 1938 عاش الرئيس الراحل حياة مليئة بالكفاح والنضال والمغامرات، كان ضابطاً، وكان وزيراً، وكان رئيساً لمجلس الأمة، وكان رئيساً لتحرير صحيفة الجمهورية، وكان نائباً لرئيس الجمهورية، دخل السجن، واشتغل فى الأعمال الشاقة على الأرصفة التى آوته وقت هروبه، عُرِف عن السادات حنكته وجرأته ودهاؤه السياسي، ظهر ذلك جليًّا فى قضائه على خصومه السياسيين فيما يعرف بثورة التصحيح، وظهر ذلك فى التعامل مع اليهود خلال مفاوضات استرداد سيناء. 

    لم يرتبط اسم أحد من أبطال حرب أكتوبر عام 1973 بشهر أكتوبر، كما ارتبط اسم الزعيم الرحل أنور السادات، كصاحب قرار الحرب فى وقت لم يتوقعه أحد، اعتماداً على عنصر المفاجأة، ولم يرتبط اسم أى من زعماء مصر التاريخيين بالسلام كما ارتبط أيضاً اسم السادات، باعتباره صاحب مفاجأة الذهاب إلى القدس، وإلقاء خطابه الشهير بالكنيست، فى مبادرة أذهلت العالم ذلك الوقت، كما لم يرتبط فى الوقت نفسه اسم أى من زعماء مصر بأخلاق القرية، كما ارتبط اسم السادات أيضاً لأسباب عديدة أهمها، أنه كان الأكثر ترديداً لهذه التسمية، كما كان الأكثر تردداً على قريته فى المناسبات والمواسم الدينية بشكل خاص، وربما من هنا أيضاً التصقت تسمية (المؤمن) بالرئيس السادات، الذى كان أكثر حضوراً فى المساجد، وأكثر ترديداً لآيات القرآن الكريم الذى كان يحفظه منذ أن كان طفلاً. 

    سمات وعلامات وكاريزما مختلفة تميز بها الرئيس السادات، ليس عن قادة المنطقة فقط، بل ربما عن قادة العالم، لذا اختارته كثيراً مجلات عالمية باعتباره الأكثر أناقة ، أشارت إليه مؤسسات علاقات عامة دولية باعتباره الشخصية الأكثر حضوراً بين قادة العالم فى ذلك الوقت، كان يتقدم الصفوف دائماً وأبداً بين الزعماء فى أى من المؤتمرات الدولية، حصوله على جائزة نوبل للسلام أيضاً كان بمثابة شهادة عالمية للرجل أنه يسير فى الطريق الصحيح وقت أن قاطعته كل العواصم العربية بعد زيارة القدس التاريخية فى نوفمبر 1977، ثم توقيع اتفاقية كامب ديفيد فى سبتمبر 1978، ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية فى مارس 1979. 

    كان الرئيس السادات زعيماً فى عالم الزعامة، قائداً فى عالم القيادة، متحدثاً مفوهاً من طراز رفيع، ساعدته على ذلك اللغة العربية التى كان يتقنها جيداً. رغم مرور 37 عاماً على وفاته إلا أن عباراته مازالت تعيش بيننا، بدءاً من (بسم الله)، فى بداية خطبه الشهيرة، وحتى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) فى نهاياتها، وما بين ذلك كثير، (لقد قاتلنا، وأمامنا قتال عنيف، ولكن سلاحنا وقتالنا ليس سلاح وقتال العدوان، وإنما هو سلاح وقتال الحق والحرية)، (للديمقراطيه أنياب)، (إن أرضنا لا تقبل المساومة)، (99.9 %من أوراق اللعبة بيد أمريكا)، (أنا أريد ما يريده الشعب)، (إن الديمقراطية هى صوت وحركة الجماهير وبلا وصاية)، (لقد آمنت وسوف أظل أؤمن أن كبريائى هى حقوق وطنى وحقوق أمتى)، (كنت طيلة عمرى أستعيد قول جدتى : لاشىء يساوى أنك ابن الأرض، والأرض هى الخلود، لأن الله أودعها كل سره). 

    قال عنه الرئيس الأمريكى الأسبق چيمى كارتر: (أعظم زعيم عالمى عرفته)، وقال عنه الثعلب العجوز هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأمريكى الأسبق: (أعاد شرف بلاده بحرب أكتوبر 1973)، كل زعماء العالم المتحضر شهدوا له بالبراعة والكياسة، نال تقديرهم حيًّا وميتّا، شاركوا فى جنازته كما لو كان زعيم العالم، أشارت إليه موسوعات الحرب، وأشادت به موسوعات السلام، ربما هناك كثيرون بيننا من أبناء شعبه لم يعرفوا قدر الرئيس السادات إلا بعد رحيله، لم يعرفوا قدره إلا من خلال شهادات الآخرين، لم يعرفوا قدره إلا بمرور الزمن، ذلك أن معظم الشهادات تؤكد أنه كان سابقاً لزمانه، كان يرى المستقبل بأفق أوسع من كل مراكز الدراسات، كما كان مُلماً بالماضى والحاضر أكثر من كل المتحذلقين سياسياً واستراتيجياً. 

    ومن قرارات الحرب والسلام، إلى قرارات طرد الخبراء الروس، إلى قرارات الانفتاح الاقتصادي، ومن قرارات اعتقال خصومه السياسيين عام 1975، وحتى قرارات اعتقال قادة المعارضة والسياسيين والصحفيين فى سبتمبر 1981، ومن قرارات رفع الأسعار عام 1977 ثم التراجع عنها فى أعقاب المظاهرات والاحتجاجات، كل ذلك وغيره يؤكد أننا أمام شخصية محورية تستطيع اتخاذ القرار فى أى زمان ومكان، تستطيع تحمل المسئولية، تستطيع المواجهة، لذا كان التحذير واضحاً وحاسماً، وعلى أرض الواقع للعقيد الليبى معمر القذافى فيما يتعلق بتجاوز الحدود بين البلدين، كان التحذير واضحاً وحاسماً، وأيضاً على أرض الواقع، لكل دول المنبع الأفريقية فيما يتعلق بمياه النيل، حال المساس بحصة مصر، كان التحذير واضحاً وحاسماً، وأيضاً على أرض الواقع لإسرائيل، حال تجاوزت حدودها على أى من الأصعدة السياسية والجغرافية. 

    بالفعل، كان الرئيس الراحل أنور السادات بطلاً فى الحرب، وبطلاً فى السلام، بدا أنه كان يستحق الشهادة، وقد نالها من أوسع الأبواب، من خلال رصاص غادر، لم يستطع التفريق بين العدو والحبيب، أو حتى بين المؤمن والكافر، نحسبه الآن مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وكفى هؤلاء رفيقاً فى عالم الحياة الأبدية، أو عالم الخلود، إلى أن نقف جميعاً بين يدى قاضى القضاة، فى يوم تشخص فيه الأبصار، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) سورة آل عمران، آية 30.

    رحم الله الرئيس الشهيد محمد أنور السادات، وأسكنه فسيح جناته، بقدر ما قدم لمصر، ولأمته العربية والإسلامية، وللإنسانية جمعاء. 

    جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
    راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg