رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

ثورة بدأت بالسينما وانتهت بها

الفيلم الذى يحمل عنوانا آخر هو "جودار حبى" Godard Mon Amour يوحى للوهلة الأولى بأنه تحية لأحداث 68 ولجودار الذى يعد واحدا من أساطير السينما العالمية، إلا أنه بمرور الأحداث نكتشف كم الكراهية التي يضمرها مخرج الفيلم ـ وهو أيضا مؤلفه ـ لجودار ولثورة 68 عموما، بالرغم من ادعائه المكشوف.
يبدو الفيلم وكأنه يدور حول علاقة الحب والزواج التى ربطت بين جودار والممثلة آن ويازمسكى، وانتهاء هذه العلاقة بالطلاق لأسباب يرى هازانافيسيوس أنها تنحصر فى عيوب شخصية جودار وانشغاله الساذج والمبالغ فيه بالثورة الاجتماعية والفنية، وفشل الأفلام "السياسية" التى قدمها بعد أحداث 68...، ومن تحت لتحت يهيل "ريدوبتابل" التراب على كل إنجازات جودار وبالتبعية إنجازات 68.
في مايو المقبل تحل الذكرى الخمسون لهذه الحركة التى بدأت كمظاهرات طلابية مراهقة تطالب بالسماح بالاختلاط بين الجنسين داخل الجامعة، وحق الطلبة والطالبات فى تبادل القبلات وممارسة الحب، حتى تحولت خلال أيام لأكبر حركة احتجاجية شهدتها فرنسا منذ الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 .
هذه الأحداث التى غيرت وجه العالم، كما فعلت الثورة الفرنسية قبلها بنحو قرنين، لا يمكن تشويهها أو اختزالها فى فيلم متواضع لمخرج صنعت منه أمريكا نجما عندما منحته الأوسكار عن فيلم "الفنان" The Artist وهو فيلم "تجارى" متوسط لم يَصنع بعده فيلما واحدا ناجحا. 
إن "ريدوبتابل" وهو يحاول النيل من مخرج صنع تاريخ السينما يقلل - ليس فقط - من شأن "ثورة 68"، ولكن أيضا من شأن الدور الكبير الذي لعبه السينمائيون الفرنسيون فى صنع هذه الثورة والتمهيد لها.
السينمائيون بدأوا الثورة!
لا يعلم الكثيرون أن أحداث مايو 68 كان لها مقدمات بدأت فى التاسع من فبراير 1968، عندما أصدر وزير الثقافة الفرنسى آنذاك الأديب أندريه مالروا قرارا بإقالة مؤسس ومدير "السينماتيك" هنرى لانجلوا، وهو ما أثار استياء عدد كبير من السينمائيين الفرنسيين الذين يعرفون ويقدرون الدور الكبير الذى لعبه لانجلوا فى حفظ الأفلام والوثائق السينمائية، ونشر الثقافة السينمائية بين أجيال من الشباب بفضل العروض الأسبوعية التي كان ينظمها داخل السينماتيك، فى زمن لم يكن متاحا فيه مشاهدة الأفلام على شرائط فيديو أو دى فى دى أو على اليوتيوب أو تحميلها عبر التورنت.
كرد فعل على إقالة لانجلوا نظم عدد كبير من السينمائيين ومحبى السينما الفرنسيين، ومنهم نجوم بحجم جان بول بليموندو وكاترين دى نيف وسيمون سينورييه، ومخرجون بقامة آلان رونيه وفرانسوا تريفو وجان لوك جودار، مظاهرة ضخمة أمام إحدى قاعات السينماتيك، ردت عليها الشرطة الفرنسية بغباء نمطى، حيث أطلقت الغاز المسيل للدموع واعتدت بالضرب على المتظاهرين مما أسفر عن إصابة العشرات منهم، وعلى رأسهم تريفو وجودار.
لم يستسلم السينمائيون أمام عنف الشرطة، واستمرت المعركة لعدة أسابيع فى وسائل الإعلام والشوارع، حيث تم إغلاق السينماتيك تماما، حتى اضطرت الحكومة إلى إعادة هنرى لانجلوا إلى منصبه، وتم فتح أبواب السينماتيك مجددا فى الثانى من مايو 1968، وهو اليوم نفسه الذى بدأت فيه المعارك الدامية بين طلبة الجامعات وقوات الشرطة.
كانت المظاهرات قد بدأت فى الأول من مايو، فى البداية احتجاجا على اعتقال الطلبة المدافعين عن فيتنام، وعلى عنف الشرطة، ونظم  الإدارة والتحكم العتيقة  فى الجامعات والمؤسسات الحكومية عموما، وأيضا على نظام الفصل الجنسى بين الشباب والفتيات داخل الجامعة، وردت الشرطة بالعنف، كما قام الجيش باقتحام جامعة السوربون، ووصلت الاعتراضات إلى مواجهة دامية ليلة 10 من مايو الشهيرة بليلة الحواجز، حيث قام الطلبة بنصب المتاريس فى طريق الشرطة التى راحت تطلق الغاز المسيل للدموع وتضرب وتعتقل العشرات، وقد أصيب المئات وتم اعتقال المئات خلال هذه الليلة وحدها.
فى هذا اليوم المشهود، العاشر من مايو، وعلى شواطئ الريفييرا الساحرة، أقيم حفل افتتاح مهرجان "كان" السينمائى الدولى الحادى والعشرين وسط حشد من نجوم السينما الفرنسيين والعالميين، بالرغم من مطالبة عدد من السينمايين الشباب، وعلى رأسهم تريفو، بإلغاء دورة المهرجان تضامنا مع شباب المتظاهرين.
فى الثالث عشر من مايو امتدت الاعتراضات إلى فئات أخرى منها عمال المصانع، الذين بدأوا إضرابا عن العمل نجح، قبل أن ينتهى شهر مايو، فى ضم أكثر من 10 ملايين عامل، مما تسبب فى شلل البلد تماما.
في الثالث عشر من مايو أيضا أصدرت جمعية نقاد السينما الفرنسيين بيانا نادوا فيه بالانضمام إلى مظاهرات دعم الطلبة ضد عنف الشرطة، وإهدار قيم العلمانية داخل الجامعة، ومبادئ الحرية والديمقراطية، كما طالب البيان بإيقاف مهرجان "كان"، لكن رئيس المهرجان رفض بحجة وجود وفود أجنبية جاءت خصيصا للمهرجان، ولا دخل لها بما يحدث في فرنسا.
مع ذلك توجهت مجموعة من السينمائيين الشباب بقيادة تريفو وجودار إلى "كان" وخاضوا حربا حقيقية لإقناع المشاركين والجمهور بضرورة إيقاف المهرجان، واستمرت المعركة لأيام تم خلالها إقناع عدد كبير من السينمائيين الأجانب المشاركين بأفلامهم بسحب هذه الأفلام، وإقناع لجنة التحكيم برئاسة المخرج الفرنسي لوى مال بانسحاب اللجنة من تأدية عملها، ووصل الأمر إلى حد الاشتباك بالأيدى أحيانا، وإلى قيام المطالبين بإيقاف المهرجان وفريق عمل أحد الأفلام التى أعلن انسحابها باعتلاء المسرح وشد ستارة شاشة العرض بالقوة لمنع المشاهدين من رؤية الفيلم المعروض، وأخيرا فى صباح الثامن عشر من مايو قام المسئولون بإعلان إيقاف دورة المهرجان بشكل كامل، قبل ستة أيام من موعد انتهائه الرسمي في 24 مايو.
 
فشل سياسي..ونجاح سينمائي
بالرغم من "الفشل" السياسى الذى منيت به حركة 68 على مستوى تحقيق الأهداف التى طالبت بها الحركات الطلابية والعمالية، فإن 68 تركت آثارا واضحة المعالم على الحياة الثقافية والاجتماعية، وعلى السياسة أيضا بشكل غير مباشر، ليس فى فرنسا وحدها، بل فى العالم كله، وهذه الآثار تجلت فى معظم المجالات الثقافية ومنها السينما.
فقد ظهرت السينما المقاتلة، militant cinema، والتى ظهرت أثناء وعقب مايو 1968 على يد صناع أفلام معروفين مثل كريس ماركر، جان لوك جودار، وويليام كلاين، حتى صناع أفلام هواة أو على هامش الصناعة من اليساريين، وهى أفلام اهتمت بالتعبير عن الفئات المهمشة مثل المهاجرين بدون أوراق، أو عمال المصانع الصغيرة، والمثقفين اليساريين والمجموعات القتالية داخل اليسار.
ومن نتائج 68 على السينما أيضا، تأسيس الوكالة العامة للسينما التى ضمت عددا من النقاد والفنانين والعاملين فى صناعة السينما بهدف تطوير وتغيير الصناعة، وبالرغم من فشلها فى الاتفاق على أى اقتراحات بعينها، فإن الأفكار التى طرحت ألهمت أفرادا كثيرين للبحث عن طرق إنتاج وصنع أفلام مختلفة، بجانب عدد من الجماعات السينمائية ذات التوجه السياسى اليسارى والاجتماعى فى فرنسا وخارجها ( في مصر مثلا تأسست جماعة السينما الجديدة عام 1968 محملة بأفكار مشابهة على يد عدد من السينمائيين الشباب الذين شاركوا فى مظاهرات وحركة الطلبة السياسية).
آثار 68 لم تقتصر على الأفلام، بل يمكن العثور عليها بشكل أوضح في مجال النقد السينمائى ونظرية السينما، مثلا، مجلة "كراسات السينما" Cahiers du cinéma التي أسسها الناقد والمنظر السينمائى أندريه بازان، وتخرج فيها عدد من كبار النقاد والمخرجين مثل تروفو وجودار، كانت تتبنى نظرية "المخرج المؤلف" التى ترى أن المخرج هو مبدع الفيلم السينمائي وليس السيناريست أو المنتج أو الممثل أو أي شخص آخر يعمل في الفيلم، ولكن بعد 68 بدأت المجلة تهتم أكثر بالجوانب الاجتماعية والسياسية للسينما، أيضا ظهرت بعد 68 بعض المجلات السينمائية ذات التوجه الاجتماعي والسياسي  مثل Cinéthique فى فرنسا، Sight and Sound فى بريطانيا، Film Comment  فى أمريكا..
هذا "التسييس" للنقد السينمائي نراه أيضا فى معظم نظريات الفيلم الكبرى التى ظهرت بعد 68، والتى اقتبست أفكارها من علوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والأنثروبولوجى وعلم النفس، مثل البنيوية، والسيموطيقا، واللاكانية، وكتابات ماركس، ولينين، وتروتسكى، وجرامشى..إلى آخره.
السؤال الأكثر تداولا الذى طرحته حركة 68 "الثورة أم الإصلاح؟" انتقل لمعظم مجالات الحياة والثقافة الأخرى ومنها السينما، فى مجال السينما تمت ترجمته فى الأسئلة التالية: ما العلاقة بين الفيلم والمجتمع؟ هل تكفى ثورية المضمون أم أن هناك شكلا فنيا ثوريا يجب أن يعادل ويعبر عن ثورية المضمون؟ هل هناك أفلام سياسية أكثر من الأخرى أم أن أى فيلم هو "سياسى" بالطبيعة؟ من هو الجمهور المستهدف من الأفلام الثورية؟ هل هو الجمهور العادى أم المثقفون؟
هذه الأسئلة يمكن أن نجد صداها في أفلام مخرج مثل جودار الذى قام بصنعها منذ عام 1968 وحتى الآن، كما يمكن العثور عليها وعلى "روح العصر" التى تجلت في مايو 68 فى كثير من الأفلام.
من أهم هذه الأفلام التي احتوت على إرهاصات 68 أو مثلت انعكاسا لها يمكن أن نذكر:
"بوني وكلايد" لآرثر بن، "نهاية الأسبوع" لجان لوك جودار، "في حرارة الليل" لنورمان جويسون، من إنتاج عام 1967، و"إذا" لليندساى أندرسون، 1968، "م ا ش" لروبرت ألتمان، "الراكب السهل" لدينيس هوبر، 1969، "هاي ماما" لبرايان دى بالما، "نقطة زابريسكى" لمايكل أنجلو أنطونيونى 1970، "ميلو فى مايو" للوى مال، 1990، "الحالمون" لبيرناردو بيرتولوتشى، 2003، "عشاق عاديون" لفيليب جاريت، 2005، وطبعا ليس من بينها بالطبع هذا الشىء المسمى بـ" ريدوبتابل"Redoubtable Leالذي يدور حول 68 وتداعياتها، ونجمها السينمائي الأكبر جان لوك جودار، ولكن دون أن يلمس جوهرها، ودون أن تلمسه روحها.
 
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg