رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

حكايات مصر فى كأس العالم التى لا يعرفها أحد

وقد بدأت حكايتنا مع المونديال منذ أن بدأ المونديال نفسه، ففى عام 1930  بدأت رحلة العالم كله مع بطولة كأس العالم لكرة القدم، واستضافت أوروجواى البطولة الأولى، ولم تشارك مصر فى هذه البطولة رغم توجيه الدعوة لها، وليست هناك أى رواية مؤكدة ومكتملة التفاصيل حول سبب عدم المشاركة المصرية، فهناك رواية أكدت أن الاتحاد المصرى صرف النظر عن السفر لطول المسافة إلى أوروجواى،  وهناك رواية ثانية أكدت أن المنتخب المصرى كان مسافرا بالفعل لكنه تأخر عن موعد إقلاع الباخرة التى كانت ستقله من الإسكندرية فلم يستطع اللحاق بها، ورواية ثالثة أشارت إلى أن مصر كانت تريد المشاركة لكن إنجلترا التى قاطعت الاتحاد الدولى وبطولاته أجبرت كل الدول التابعة لها على عدم المشاركة، وإذا كان من الممكن قبول الرواية الأولى الخاصة ببعد المسافة والسفر الطويل جدا، فإنه يصعب جدا الاقتناع بالروايتين الثانية والثالثة، فليس من المنطقى أو المقبول أن تقرر مصر المشاركة فى بطولة العالم ثم يفوتها موعد إقلاع الباخرة من ميناء الإسكندرية، كما أن مصر الكروية كانت قد استقلت بشكل كامل وحقيقى عن السيادة والهيمنة الإنجليزية منذ مشاركة الكرة الأولمبية الأولى فى دورة أنتيويرب عام 1920.  
وجاء جيف لورانس، الكاتب والمؤرخ الإنجليزى وأحد أهم الباحثين المتخصصين فى تاريخ كرة القدم فى العالم، ليحكى حكاية هذا المونديال الأول عام 1930، فبعد تأسيس الاتحاد الدولى لكرة القدم عام 1904 بسبعة بلدان أوروبية، بدأت دول أخرى تنضم للاتحاد وتشارك فى مسابقات الكرة الأوليمبية التى كان يشرف عليها الاتحاد الدولى من خلال اللجنة الأوليمبية الدولية، وحين أصرت اللجنة الأولمبية الدولية على مشاركة اللاعبين الهواة فقط فى كل الألعاب، ولما كان نجوم كرة القدم الكبار محترفين وليسوا هواة، فقد بدأ الاتحاد الدولى لكرة القدم برئاسة جول ريميه بداية من عام 1926 التفكير والقرار فى تأسيس بطولة خاصة بكرة القدم لا تمنع مشاركة المحترفين إلى جانب الهواة، ونجح جول ريميه وزملاؤه فى تنظيم أول بطولة فى أوروجواى على أن تقام هذه البطولة كل أربع سنوات، وعلى الرغم من تقدم هولندا وإيطاليا وإسبانيا والسويد بطلب استضافة هذه البطولة الأولى فإن جول ريميه فضل أوروجواى ليمنح أولا بطولته الجديدة شكلها العالمى، ولأن أوروجواى ثانيا كانت وقتها هى أقوى منتخب كروى فى العالم، فقد فازت أوروجواى بالميدالية الذهبية فى دورة باريس عام 1924، ثم عادت وفازت بها أيضا للمرة الثانية على التوالى فى دورة أمستردام عام 1928، وكان كل لاعبيها من الهواة عكس الحال فى بلدان أوروبا.
ووجه الاتحاد الدولى الدعوة لكل بلدانه الأعضاء للمشاركة فى البطولة الأولى، اثنتان وأربعون دولة منها خمس وعشرون دولة أوروبية بعد انسحاب إنجلترا وويلز وإسكتلندا وأيرلندا من الفيفا عام 1928، وسبعة بلدان من أمريكا اللاتينية، وستة بلدان من أمريكا الوسطى والشمالية، وثلاثة بلدان من آسيا، ومصر وحدها من أفريقيا، وقبلت مصر دعوة الاتحاد الدولى وقررت المشاركة فى البطولة الأولى فى أوروجواى، وقررت ثمانية بلدان من الأمريكتين المشاركة، ورفضت البلدان التى كانت تريد استضافة البطولة المشاركة احتجاجا على إعطائها إلى أوروجواى، واعتذرت بقية بلدان أوروبا أيضا لطول المسافة التى تستغرق ثلاثة أسابيع فى البحر وتكلفة باهظة لمثل هذا السفر، كما كانت هذه المشاركة ستعنى غياب اللاعبين عن أنديتهم وبلدانهم ثلاثة أشهر على الأقل، وقرر اتحاد أوروجواى تحمل نفقات السفر لكل البلدان التى ستشارك ونجح جول ريميه الفرنسى رئيس الفيفا فى إقناع فرنسا أولا بالمشاركة، ونجح نائب رئيس الفيفا رودولف سيلدرايرز فى إقناع بلده بلجيكا بالمشاركة، ولما كان الملك الجديد فى رومانيا كارول الثانى من عشاق كرة القدم، فقد قرر أولا العفو عن كل لاعبى الكرة فى بلاده مهما كان سبب عقوباتهم، ولما كان معظمهم يعملون كموظفين فى شركة البترول الإنجليزية فى رومانيا، فقد أمر الملك الشركة بمنح هؤلاء اللاعبين إجازات مدفوعة الأجر للمشاركة فى البطولة وإلا سيوقف الملك كل أعمال الشركة، وأقنع الملك كارول أيضا يوجوسلافيا بالمشاركة رغم رفض اللاعبين الكروات تمثيل يوجوسلافيا إلى جانب لاعبى صربيا،  ولأن القرار اليوجوسلافى بالمشاركة تأخر فلم يلحق منتخبها بالباخرة كونتى فيردى التى انطلقت من برشلونة إلى أوروجواى تقل المنتخبات الأوروبية المشاركة، فقد تم الاتفاق مع المصريين على السفر معا بباخرة أخرى تبحر من مارسيليا، وهناك انتظر اليوجوسلاف قدوم المنتخب المصرى للسفر معا إلى مونتيفيديو فى أوروجواى، لكن قامت عاصفة فى البحر المتوسط وبسبب تلك العاصفة لم تنجح الباخرة التى تقل المنتخب المصرى فى الوصول إلى مارسيليا فى وقت مناسب، واضطر اليوجوسلاف للسفر وحدهم إلى أوروجواى.
وهكذا، ووفق رواية جيف بورانس، لم يكن صحيحا كل ما ردده أو كتبه الكثيرون حول رفض مصر المشاركة فى أول بطولة كأس عالم، فلم تكن نفقات السفر الباهظة هى السبب، لأن الدول المشاركة لم تتحمل أى نفقات، ولم يكن صحيحا أن مصر لم تشارك بضغوط أو قرارات إنجليزية، فالإنجليز وقتها استخدموا سلطة الانتداب لمنع فلسطين ولاعبيها اليهود من السفر والمشاركة، ولم يكن صحيحا أيضا أن المنتخب لم يلحق بالباخرة فى الإسكندرية، لأنه سافر بالفعل وكاد يصل مارسيليا ليبحر منها إلى أوروجواى مع منتخب يوجوسلافيا لولا العاصفة الهائلة فى وسط البحر المتوسط. 
وفى كل الأحوال، خسرت مصر فرصة المشاركة فى أول بطولة لكأس العالم لكرة القدم والمونديال الوحيد الذى أقيم دون أن تسبقه أى تصفيات، ولم تنشغل الكرة المصرية بهذا المونديال الأول، ولم يكن هناك أى حزن أو غضب نتيجة عدم المشاركة، ولم يهتم بمتابعته سواء مسئولو الكرة المصرية وأنديتها أو الصحافة الكروية المصرية وكتابها، وبقى الشأن الكروى المحلى يستأثر باهتمام الجميع، فلم يكن المونديال زمان هو مونديال حياتنا الحالية، فالمونديال زمان كان بطولة كروية خالصة لوجه الله وفى عشق وهوى كرة القدم فقط، أما مونديال أزماننا الحالية فهو منتج أسهمت فى صناعته الكرة والتليفزيون والسياسة والاقتصاد والإعلام والإعلان وعشرات الحكايا والقضايا الأخرى.
 
1934، بطولة حسين حجازى
 وبعد أربع سنوات، كانت مصر ضمن إحدى ست عشرة دولة تأهلت للمشاركة فى المونديال الثانى عام 1934، من أوروبا تأهلت إسبانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا وسويسرا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا والمجر والسويد،وتأهلت إيطاليا أيضا بعد الفوز على اليونان حيث لم تكن القواعد وقتها تمنح حق المشاركة التلقائية للدولة التى تستضيف المونديال، ومن أمريكا اللاتينية تأهلت البرازيل والأرجنتين، وكانت أوروجواى التى استضافت ونظمت المونديال الأول عام 1930 وفازت به أيضا قد رفضت المشاركة فى المونديال الثانى ردا على الدول الأوروبية التى رفضت المشاركة فى المونديال الأول الذى استضافته أوروجواى، ومع هذه الدول تأهلت الولايات المتحدة الأمريكية، وتأهلت مصر كدولة وحيدة من أفريقيا وآسيا، وأجريت قرعة المونديال فى الثالث من مايو عام 1934، حيث تم تقسيم المنتخبات المشاركة على ثمانى مباريات، وتم إعلان أن مصر ستواجه المجر فى هذا المونديال الذى كان يقام بنظام خروج المغلوب، وتقرر أن تقام مباراة المجر ومصر فى مدينة نابولى فى السابع والعشرين من مايو. 
وبعد أربعة أيام فقط على إجراء قرعة المونديال، اجتمع مجلس إدارة اتحاد كرة القدم برئاسة حضرة صاحب العزة حسين باشا صبرى وحضور كل من أصحاب العزة أحمد بك حسنين وكيل الاتحاد وأحمد بك فؤاد أنور السكرتير العام وحسن بك رفعت وداود بك راتب، وناقش الاجتماع مشاركة مصر فى بطولة كأس العالم، وتم تحديد ميزانية هذه المشاركة التى ستبلغ تسعمائة جنيه، سيدفع منها اتحاد الكرة مائة جنيه، وستقدم الحكومة المصرية إعانة قيمتها ثمانمائة جنيه، وتم أيضا الاتفاق على تشكيل بعثة مصر التى ستضم خمسة مسئولين وإداريين وثمانية عشر لاعبا، هم أحمد بك فؤاد أنور رئيسا للبعثة، وحسن بك رفعت وداود بك راتب ومحمود بدر الدين إداريين، ويوسف محمد حكما دوليا، أما اللاعبون فهم عزيز فهمى ومصطفى كامل منصور وكامل مسعود ومحمود مختار التتش وهانى كامل من الأهلى، وعلى كاف وإبراهيم حليم وحسن الفار ومصطفى كامل طه ومحمد لطيف من الزمالك، وحميدو شارلى وحسن رجب وحافظ كاسب من الأوليمبى، وإسماعيل رأفت ومحمد فريد بخاتى من الترسانة، وعبد الرحمن فوزى ومحمد حسن موسى من المصرى، ومحمود إسماعيل الشهير بالنيجرو من نادى البوليس، وعلى الرغم من أن لائحة البطولة كانت تسمح باصطحاب عشرين لاعبا إلى إيطاليا لكن جيمس ماكراى اكتفى بثمانية عشر لاعبا فقط. 
وفى تمام الساعة التاسعة والنصف صباح يوم الخميس السابع عشر من مايو عام 1934، امتلأت محطة قطار القاهرة بالكثيرين الذين جاءوا لتوديع المنتخب المصرى، وتقدم الجميع صاحب العزة محمد بك حسن الأمين الثانى لجلالة الملك، ومحمد بك حيدر وكيل اتحاد الكرة، ومع الدعوات والأمنيات الطيبة تحرك القطار فى طريقه إلى الإسكندرية وكانت بعثة المنتخب وحدها فى عربة خاصة من عربات القطار، وحين وصل القطار إلى الإسكندرية تم فصل العربة التى تقل البعثة المصرية وإلحاقها بقاطرة أخرى لمحطة القبارى وفقا للتعليمات العليا، وتكرر فى ميناء الإسكندرية نفس الذى جرى فى محطة قطار القاهرة، نفس الحفاوة والاهتمام والدعوات والأمنيات بالتوفيق والانتصار، وفى تمام الساعة الثانية والنصف ظهرا، وعلى متن الباخرة تيفيريه، بدأت رحلة البعثة المصرية إلى إيطاليا، واستغرق مشوار السفر يومين كاملين كان خلالهما مستر ماكراى مدرب المنتخب المصرى يقوم بتمرين لاعبيه على ظهر الباخرة التى وصلت ميناء نابولى قبل المباراة بثمانية أيام، وقبل أن يغادر لاعبو المنتخب المصرى الباخرة إلى رصيف الميناء اجتمع بهم فؤاد بك أنور رئيس البعثة، وكانت كلماته محددة ومطالبه شديدة الصرامة والوضوح، المحافظة على السمعة المصرية، ورفع شأن البلاد، وأن يحسن سلوك الجميع سواء الفندق أو الطرقات أو الملعب، وأن البعثة المصرية لم تأت إلى نابولى لمنافسة ممالك العالم فى كرة القدم فقط، إنما فى الأخلاق أيضا، وأعلن رئيس البعثة أن أقصى العقوبات سيجرى توقيعها على كل من يتهاون، والمخطئ سيتم إرجاعه إلى مصر ثانية مهما كان مركزه، ولو لم يلتزم الجميع فسيعود الجميع، وليس من المهم أن تلعب مصر فى البطولة، وكان أول ما قامت به البعثة المصرية فى نابولى هو زيارة القنصلية المصرية حيث أرسلت البعثة برقية للملك فؤاد تؤكد له فيها أنها ترفع لجلالته أسمى آيات الاحترام، وفى البرقية الثانية كانت التحية للفاشيستى الأعظم موسولينى رئيس وزراء إيطاليا. 
وبدأ المنتخب المصرى فى نابولى تدريباته واستعداداته لملاقاة المنتخب المجرى على أمل التغلب عليه، ولم يكن ذلك حلما مستحيلا رغم أن المنتخب المجرى وقتها أصبح من أقوى وأشهر منتخبات أوروبا، كما أنه لم يستعد جيدا لهذه البطولة حيث رفضت الأندية المجرية فى أول الأمر التخلى عن لاعبيها من أجل بطولة كأس العالم، فلم يتجمع المنتخب إلا بعد انتهاء الدورى المجرى، وهو نفس ما جرى فى مصر التى انتهى فيها الدورى قبل سفر المنتخب بثلاثة أيام فقط، لكن الأندية المصرية لم تكن بقوة ونفوذ الأندية المجرية، ولم تمانع من انضمام لاعبيها للمنتخب فى مبارياته الودية مثل مباراتى يوجوسلافيا، وقد سبق أن لعب المنتخبان المصرى والمجرى معا فى القاهرة قبل سنتين وانتهت المباراة بالتعادل دون أهداف، ولم ينس المصريون بعد حين أنهم التقوا مع المجريين فى دورة باريس الأوليمبية عام 1924، وفازوا عليهم بثلاثة أهداف نظيفة، وكان هذا هو أول انتصار رسمى ودولى وأولمبى تحققه كرة القدم المصرية فى تاريخها، وكان ذلك كله يعنى أن الفوز على منتخب المجر فى بطولة كأس العالم قد يكون صعبا، لكنه بالتأكيد ليس مستحيلا، حتى بالرغم من فوز المجر على إنجلترا قبل أيام قليلة من الوصول إلى إيطاليا والمشاركة فى كأس العالم، 
ولم يكن المنتخب المصرى قد تجمع ولعب أية مباراة قبل مشاركته فى نهائيات كأس العالم فى شهر مايو عام 1934 منذ أن لعب مباراتين فى القاهرة أمام منتخب يوجوسلافيا، المباراة الأولى فى الثانى من مارس انتهت بالتعادل بثلاثة أهداف لكل فريق، تقدمت يوجوسلافيا بهدفين ثم تعادلت معها مصر وعادت بوجوسلافيا وتقدمت، ونجحت مصر فى التعادل مرة أخرى فى الدقيقة الأخيرة، وأحرز أهداف مصر محمد لطيف وحافظ كاسب ومصطفى كامل طه، وبعد يومين فقط، لعب المنتخبان مباراة ثانية انتهت أيضا بالتعادل بهدفين لكل فريق، وسجل هدفى مصر مرعى والتتش، وفى نابولى اكتفى المنتخب المصرى بتدريباته العادية ليومين فقط قبل موعد مباراته الرسمية فى كأس العالم أمام المجر.
وجاء أخيرا اليوم الحاسم، وكتبت جريدة الأهرام يومها لقارئها تقول له : المصريون جميعا ينظرون اليوم إلى شعار نابولى حيث يقف الفريق وقفة الند للند، وأنت تعرف أن المجر لها معنا مواقف أرادت أن تثأر بها لنفسها، حيث هززناها وهززنا أركان عزتها حين هزمناها فى دورة باريس بثلاث إصابات، وأرسلت المجر المغلوبة بعد ذلك فرق أنديتها الكبيرة تباعا لتنقص من قيمة هذه الهزيمة، ولكنها كانت فرق احتراف ومحترفين فلاقيناها بالترحاب ملاقاة الشجاع لخصمه العنيد، وسعت بعد ذلك فى العامين الماضى والحاضر للحصول من مصر على زيارة من بودابست، حيث تسضيفنا وترد لنا كرم الضيافة مثلين على حد قول مندوبيها، وطبيعى أن يعرف الوفد المصرى أن المسئولية كلها واقعة على مبلغ تقديره هو نيابة عن مصر، وعلى كل حال نحن واثقون كل الثقة فى أن الوفد سيمثلنا فى هذه المأمورية أحسن تمثيل،
وبدأت المباراة فى الساعة الثالثة والنصف عصرا يوم السابع والعشرين من مايو فى استاد جيورجيو إسكارييلى بمدينة نابولى، وأمام عشرة آلاف متفرج أدارها الحكم الإيطالى رينالدو بارلاسينا، وكان قد سبقت له إدارة مباراة ودية لنفس المنتخبين فى القاهرة فى التاسع عشر من فبراير عام 1932، وانتهت بالتعادل بدون أهداف، ومثل مصر فى هذه المباراة، مصطفى كامل منصور لحراسة المرمى، وحميدو شارلى وعلى كاف وحسن رجب وإسماعيل رأفت وحسن الفار ومحمد حسن ومختار التتش ومصطفى كامل طه ومحمد لطيف وعبد الرحمن فوزى، ويقودهم المدرب الإسكتلندى جيمس ماكراى، ومثل المجر أنتال زابو وجيولا فوتو ولاسالو ستيرنبرج وإستيفان بالوتاس وجيورجى زوكى وجيولا لازار وإيمرى ماركوس وجينو فنتسى وبال تيليكى وجيزا تولدى وجابور زابو ويقودهم المدرب المجرى فيرينس ناداس، 
وكانت المباراة حماسية وساخنة منذ دقيقتها الأولى، وبعد إحدى عشرة دقيقة نجح اللاعب المجرى بال تيليكى فى إحراز الهدف الأول للمجر، ثم أضاف تولدى الهدف الثانى للمجر فى الدقيقة الحادية والثلاثين، ولم يستسلم المنتخب المصرى أو يدركه اليأس والانهيار، وبعد الهدف المجرى الثانى بأربع دقائق فقط، نجح عبد الرحمن فوزى فى تسجيل هدف لمصر ليكون أول أهداف مصر فى المونديال، كانت تمريرة من محمد حسن تلقاها عبد الرحمن فوزى الذى راوغ قلب دفاع المجر وأسكن الكرة فى الشباك لحظة خروج حارس المرمى أنتال زابو  لملاقاته، وبعد أربع دقائق أخرى، نجح عبد الرحمن فوزى فى تسجيل الهدف الثانى له ولمنتخب مصر، كانت كرة عالية من محمد لطيف ارتدت من يد زابو حارس المرمى ليسددها عبد الرحمن فوزى قوية ومباشرة من خمسة وعشرين ياردة داخل المرمى المجرى، وانتهى الشوط بالتعادل بهدفين للمجر وهدفين لمصر أحرزهما عبد الرحمن فوزى فى أربع دقائق وسط إعجاب واحترام كل المشاهدين، وبدأ الشوط الثانى، وبعد دقائق قليلة نجح مختار التتش فى إحراز الهدف الثالث لمصر بعد أن رواغ أكثر من لاعب مجرى وأودع الكرة مرمى زابو إلا أن حكم المباراة ألغى الهدف نتيجة تسلل محمد لطيف، ولجأ المصريون إلى حامل الراية الإيطالى أيضا الذى أكد صحة الهدف إلا أن الحكم لم يتراجع عن قراره، واستغل المجريون انفلات أعصاب المصريين بعدم احتساب هدف التتش ونجحوا فى الدقيقة الثامنة فى إحراز هدفهم الثالث، وبينما كان المصريون يحاولون تحقيق التعادل، جاءت الدقيقة السادسة عشرة ليحرز تولدى هدفه الثانى والهدف الرابع للمجر بعد التحام عنيف مع حارس مرمى المنتخب المصرى مصطفى كامل منصور الذى ضربه تولدى بعنف وكسر له أنفه دون أن يمنع ذلك حكم المباراة من احتساب الهدف الرابع لتفوز المجر بالمباراة وتخرج مصر من البطولة.
وفى اليوم التالى خرجت الصحف الإيطالية تؤكد أن الحكم الإيطالى رينالدو بارلاسينا لم يكن عادلا مع المصريين وألغى لهم هدفا صحيحا، كما احتسب هدفا ضدهم رغم العنف الذى تعرض له حارس مرماهم لدرجة كسر أنفه ودخوله المستشفى بعد المباراة، ولم يعد أمام المصريين إلا العودة إلى مصر بعد خسارة مباراتهم الوحيدة أمام المجر، وكانت هذه هى الخسارة الكروية الأولى لمصر أمام المجر، ففى المباراة الأولى بينهما عام 1924 فى دورة باريس الأولمبية فازت مصر بثلاثة أهداف نظيفة، ثم تعادلا بدون أهداف فى المباراة الثانية عام 1932 فى القاهرة، ولعب المنتخبان بعد ذلك ست مباريات منها مباراة رسمية واحدة فى دورة طوكيو الأولمبية، وفازت بها المجر كلها ولم تعد مصر للفوز على المجر إلا عام 1983 فى مباراة ودية فى القاهرة، وعلى الرغم من خسارة مصر أمام المجر فى المونديال الإيطالى عام 1934، فإن المصريين رغم ذلك لم يعودوا من نابولى دون أى مكاسب، فقد كانوا الدولة الأولى التى تشارك فى المونديال من قارتى أفريقيا وآسيا، وكان عبد الرحمن فوزى نجم النادى المصرى وبورسعيد هو أول لاعب مصرى وعربى وأفريقى وآسيوى يسجل فى نهائيات كأس العالم، وتم اختياره واحدا من أفضل لاعبى العالم فى مركز الجناح الأيسر، وكان مصطفى كامل منصور حارس مرمى الأهلى ومنتخب مصر هو أصغر حراس المرمى فى البطولة حيث لم يكن قد تجاوز العشرين من عمره بعد، ولم تنتقص الأربعة أهداف المجرية فى مرماه من إعجاب واحترام الكثيرين لموهبته، بل أثنت عليه الصحافة الإيطالية أيضا، وقد جاء تولدى إلى مصر بعد المونديال بعامين، والتقى مصطفى كامل منصور واعتذر له عن عنفه معه فى مباراة المونديال، وبدأت بينهما صداقة طويلة، وقد احترف مصطفى كامل منصور بعد المونديال فى نادى كوينز بارك رينجرز بترشيح من المدرب جيمس ماكاراى ولعب معه ثلاث سنوات، ثم عاما آخر فى ناد سيلتيك عاد بعده إلى مصر، واحترف محمد لطيف نجم الزمالك الكبير أيضا، كما احترف إسماعيل رأفت نجم الترسانة فى فرنسا، وكتبت جريدة الأهرام فى ختام متابعتها للبطولة مؤكدة أن مصر، عملت ما عليها فى 90 دقيقة، وإن أسفنا لهذه الهزيمة فلأننا مصريون قبل أن نكون رياضيين، أما نحن كرياضيين فنمد أيدينا للغالب أو قل للمجر مهنئين، وإلى لقاء قريب. ولم تكن للمشاركة المصرية الأولى فى المونديال عام 1934 أى تأثير جذرى فى أحوال كرة القدم فى مصر وهمومها واهتماماتها، لم يحزن أحد للهزيمة أمام المجر، ولم يكن فى مصر وقتها أحد يفخر بتأهل مصر لمونديال 1934، كان المونديال وقتها لا يزال مونديالا فقط، ولم يصبح بعض هذا الاستعراض العالمى الذى نعرفه اليوم، وعاد أهل الكرة فى مصر لسابق شواغلهم وقضاياهم وحكاياتهم، وواصلت كرة القدم نشاطها مع تزايد الالتفات إليها والاهتمام بها جماهيريا وشعبيا وسياسيا وحكوميا أيضا.  وبعد أربع سنوات، كان على اتحاد الكرة وقتها أن يقرر هل سيلعب أمام رومانيا فى تصفيات الموندبال الثالث فى إيطاليا عام 1938 أم لا، فقد قرر الاتحاد الدولى لكرة القدم مشاركة منتخبى مصر وفلسطين فى التصفيات الأوروبية للمونديال لتكونا من الدول الأوروبية التسع التى ستتأهل لهذا المونديال عبر تسع مجموعات، وأوقعت القرعة منتخب مصر فى مواجهة منتخب رومانيا، وتقرر أن تقام المباراتان ذهابا وإيابا فى شهر ديسمبر عام 1937 الذى تزامن مع حلول شهر رمضان المبارك، ورفض الاتحاد المصرى اللعب فى شهر رمضان احتراما لصيام اللاعبين، وخشية أن يؤثر الصيام على أدائهم ولياقتهم، وطلب تأجيل المباراتين إلى ما بعد انتهاء شهر رمضان، ورفض الاتحاد الدولى هذا الطلب بتأجيل المباراتين، وحين أصر الاتحاد المصرى على عدم اللعب فى رمضان اعتبره الاتحاد الدولى منسحبا من التصفيات، وقيل بعد ذلك إن الصيام فى شهر رمضان لم يكن سبب الاعتذار إنما هو ضيق ذات اليد وأن الاتحاد المصرى وقتها لم يكن يملك المال الكافى لسفر المنتخب المصرى إلى رومانيا، وفى كل الأحوال فقدت مصر فرصة للتأهل للمونديال من جديد. ولم ينشغل الناس وقتها بذلك قدر انشغالهم بالحديث عن تلك الصفقة التى انتقل بها النجم الكبير عبد الكريم صقر من الأهلى للزمالك، فهذا التلميذ النجيب والموهوب فى مدرسة فؤاد الأول الثانوية، الذى انتقل من المدرسة لفريق الأهلى عام 1935، وانضم بعدها لمنتخب مصر وسجل هدفها الأولمبى الوحيد فى دورة برلين عام 1936، وكان وقتها أصغر لاعب فى منتخب مصر وفى البعثة المصرية كلها إذ لم يكمل وقتها الثامنة عشرة من عمره، وأصبح هدافا للأهلى وأحد أهم نجومه الكبار جدا، ونجح وحده فى تسجيل عشرة أهداف فى مرمى الزمالك، إلا أنه انتقل للزمالك عام 1938 مقابل خمسين جنيها، وكانت الخمسون جنيها أهم عند الناس والإعلام من التأهل للمونديال.
 
تصفيات 1954 
ثم جاءت تصفيات مونديال 1954 الذى تقرر إقامة نهائياته فى سويسرا حيث مقر الفيفا احتفالا بمرور خمسين عاما على تأسيس الاتحاد الدولى لكرة القدم، وأسفرت قرعة التصفيات عن وقوع مصر فى مجموعة واحدة مع إيطاليا وسوريا، إلا أن سوريا أعلنت انسحابها لتبقى مصر وإيطاليا فقط ويلعب المنتخبان مباراتين فاصلتين تحدد نتيجتهما المنتخب الذى سيتأهل لمونديال 1954، وفى الثالث عشر من نوفمبر 1953 أقيمت المباراة الأولى فى القاهرة وبالتحديد فى ملعب الأهلى، وأعلن اتحاد الكرة أسعار تذاكر المباراة، جنيهان للدرجة الأولى وجنيه واحد للدرجة الثانية وأربعون قرشا للدرجة الثالثة، وأصر كثيرون جدا على حضور هذه المباراة تشجيعا لمنتخب مصر وأملا فى التأهل للمونديال، وبلغ عدد الجماهير اثنين وعشرين ألفا منهم مئات الإيطاليين الذين قام اتحاد الكرة بتوفير تذاكر لهم، وكان إيراد هذه المباراة قياسيا بلغ خمسة آلاف جنيه وتسعمائة واثنين وثلاثين جنيها، وبالطبع كان الرئيس محمد نجيب فى مقدمة الحاضرين ومعه ثلاثة عشر عضوا من أعضاء مجلس قيادة الثورة أصروا على مشاهدة هذه المباراة من الملعب، بل وأصر الرئيس محمد نجيب على النزول للملعب وأن يركل بنفسه ركلة البداية،  وكان المنتخب المصرى وقتها يقوده ستة مدربين معا، وكانوا يطلقون عليهم اللجنة الفنية لإدارة منتخب مصر، ويرأس اللجنة اللاعب والنجم القديم والكبير عبد الرحمن فوزى صاحب هدفى مصر فى مرمى المجر فى مونديال إيطاليا عام 1934 الذى كان أول مشاركة لمصر فى مونديال الكرة، واختارت اللجنة الفنية أحد عشر لاعبا لمواجهة إيطاليا، حارس المرمى أحمد كاطو ومعه الديبة من الاتحاد السكندرى، وخمسة لاعبين من الزمالك هم يكن حسين وحنفى بسطان وشريف الفار وعصام بهيج وأحمد أبو حسين، ولاعبان من الأهلى هم حلمى أبو المعاطى وأحمد مكاوى، وسيد عبد الرازق من الإسماعيلى وحمزة عبد المولى من الترسانة، وقبل نهاية الشوط الأول شارك قدورة من الأولمبى بدلا من لاعب الزمالك أحمد أبو حسين، وقد غاب عن منتخب مصر حارس مرمى الأهلى والحارس الأول لمنتخب مصر عبد الجليل حميدة نتيجة إصابته فى مباراة فرنسا فى بطولة كأس شرق البحر المتوسط، وأدار المباراة الحكم النمساوى كارل إيريك شتاينر، وبدأها المصريون بهدف للديبة لينتهى الشوط الأول بتقدم المنتخب المصرى بهذا الهدف وسط سعادة الجماهير ورئيس الجمهورية، إلا أن المنتخب الإيطالى نجح فى إحراز هدفين فى الشوط الثانى لتنتهى المباراة بفوز إيطاليا.
وكانت هذه النتيجة تعنى ضياع الكثير من الأمل المصرى فى التأهل للمونديال، إذ تعين على منتخب مصر الفوز على إيطاليا فى مباراة العودة التى استضافها ملعب البلدية فى ميلانو فى الخامس والعشرين من شهر يناير عام 1954، والذى سيصبح فيما بعد هو استاد السان سيرو الشهير جدا، وأدارها الحكم الهولندى ليو هورن وحضرها أربعون ألف متفرج رغم البرد الشديد وتساقط الثلوج، وقد عاد عبد الجليل لحراسة مرمى منتخب مصر فى هذه المباراة إلا أنه سقط على الأرض بعد دقيقة واحدة نتيجة الانزلاق على الثلج، فسقطت الكرة من يده ليحرز باندولفينى أول أهداف إيطاليا، ولم يستطع عبد الجليل إكمال المباراة نتيجة إصابته ليقف بدلا منه أحمد كاطو، كما أصيب الضيظوى أيضا فى الدقيقة السابعة والعشرين ويلعب بدلا منه عصام بهيج، ورغم كل هذه الظروف نجح علاء الحامولى فى التعادل لمصر فى الدقيقة الثالثة والثلاثين، وعاد المصريون يحلمون من جديد بالتأهل للمونديال على حساب إيطاليا، وكان يكفيهم هدف واحد لتكون هناك مباراة ثالثة وفاصلة طبقا للوائح الفيفا وقتها، إلا أن المصريين لم يتحملوا هذا البرد القارس، فأصيب حنفى بسطان برعشة هائلة استدعت تدخل رجال الإسعاف لتدليكه وتدفئته، واضطر شريف الفار لإكمال المباراة مصابا حيث لم يكن مسموحا وقتها إلا بتغيير لاعبين اثنين فقط، وانهار المصريون بعدها ليحرز الإيطاليون أربعة أهداف متتالية، وتنتهى المباراة بخمسة أهداف لإيطاليا مقابل هدف واحد لمصر، وفى اليوم التالى كانت جريدة الاهرام تنقل عن عبد الرحمن فوزى أن البرد كان سبب خسارة مصر، حيث كانت درجة الحرارة تحت الصفر بخمس درجات، واتهمت جريدة الأهرام عمال ملعب البلدية فى ميلانو بالتآمر على مصر، لأنهم بين الشوطين أزالوا الثلوج فقط من نصف الملعب الخاص بالمنتخب الإيطالى وتركوا الثلج فى نصف الملعب الآخر الخاص بمنتخب مصر، وكان العنوان الذى اختارته الأهرام لوصفها للمباراة ووقائعها هو، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
 
إسرائيل تحرمنا من السويد 
وعاد المنتخب المصرى من إيطاليا، وتجاوز الجميع أزمة خسارة تصفيات المونديال، واستراحوا لفكرة ومبدأ ومنهج البحث عن تبريرات للهزيمة بدلا من البحث عن أسباب حقيقية وأخطاء أدت إلى هذه الهزيمة، وفى عام 1958 بدأت تصفيات كأس العالم لكرة القدم التى تستضيفها السويد فى نفس العام، وكانت هناك خمس وخمسون دولة ستتنافس على أربعة عشر مكانا فى نهائيات السويد إلى جانب ألمانيا الغربية حاملة اللقب والسويد الدولة المضيفة للنهائيات، وتم توزيع الخمس وخمسين دولة حسب التصنيف القارى، فكانت هناك تسعة أماكن فى النهائيات لأوروبا، وثلاثة لأمريكا اللاتينية، ومكان واحد لأمريكا الوسطى والشمالية والكاريبى، ومكان واحد لأفريقيا وآسيا ومع بلدانها تركيا وقبرص وإسرائيل، وتم توزيع بلدان أفريقيا وآسيا إلى أربع مجموعات، فى المجموعة الأولى تأهلت إندونيسيا للدور الثانى على حساب الصين، وفى المجموعة الثانية انسحبت تركيا احتجاجا على عدم اللعب فى تصفيات أوروبا فتأهلت إسرائيل للدور الثانى، وفى المجموعة الثالثة تأهلت مصر للدور الثانى بعد انسحاب قبرص، وفى المجموعة الرابعة تأهلت السودان بعد فوزها على سوريا، وفى الدور الثانى كان من المفترض أن تلعب الأربع دول معا، إندونيسيا وإسرائيل ومصر والسودان، وانسحبت إندونيسيا لأن الاتحاد الدولى رفض أن تلعب مع إسرائيل على أرض محايدة، وانسحبت مصر أصلا رفضا لإسرائيل، وتأهلت إسرائيل والسودان للمباراة الأخيرة لتحديد من منهما سيصل إلى السويد، وانسحبت السودان فتأهلت إسرائيل للملحق الأخير أمام ويلز وخسرت ولم تصل إلى السويد. وأظن، وبعض الظن حلال، أن هذه الحكايات هى الأوراق القديمة الجديدة التى لم يقرأها الناس بعد عن المونديال، أما الحكايات التالية حتى اليوم مرورا بمونديال 1990، فالناس كلهم يعرفونها بل ويحفظونها أيضا، ولا أعتقد أن من مهام الديوان وأهدافها هو الحكى حتى إن كانت مجرد حواديت قديمة ومكررة.
 
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg