رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

أرض الفيروز حلم الغزاة .. ومقبرتهم

كانت حرب أكتوبر المجيدة 1973 آخر مواجهة عسكرية بين مصر وإسرائيل فى سلسلة مواجهات شرسة بدأت فى 1948 عندما شارك الجيش المصرى فى حرب فلسطين مع عدد من الجيوش العربية بغرض استعادة فلسطين من يد المغتصب، واستمرت جولات المواجهة العسكرية من عدوان ثلاثى شاركت فيه كل من بريطانيا وفرنسا مع إسرائيل عام 1956 ,ثم عدوان إسرائيلى غاشم فى 1967 على مصر وسوريا والأردن نجم عنه احتلال سيناء والجولان والضفه الغربية, مما استتبع بعد ذلك حرب الاستنزاف التى خاضها الجيش المصرى لثلاث سنوات , كانت هى الأعنف والأشرس كما سجلتها ورصدتها مراكز الدراسات العسكرية والاستراتيجية والتى تكبد العدو الإسرائيلى فيها خسائر فادحة أجبرته على طلب الهدنة برعاية أمريكية.
ثم كان عبور الجيش المصرى للضفة الشرقية من قناة السويس إلى سيناء آخر عبور شهدته أرض سيناء من الغرب للشرق , ليستعيدها أبناء مصر إلى حضن الوطن مرة أخرى،  وبعد معارك وبطولات سطرها المقاتل المصرى بحروف من نور، ومنذ أكثر من أربعة عقود لم يفارق الجيش المصرى أرض سيناء بل رسخت أقدامه فوق رمالها رافعا شعار "يد تبنى ويد تحمي". 
 إن تاريخ سيناء ,التى تمثل 6 % من مساحة مصر , وبعيدا عن كونها أرض الرسالات والأنبياء و "الوادى المقدس طوى" وجبل "طور سنين"، يبقى فى أغلبه تاريخ حروب ،سواء تلك التى دارت على أرضها أو تلك التى وقعت على بعد أميال قليلة منها فى فلسطين وسوريا والتى حتما عبرت خلالها الجيوش المصرية فوق أراضيها لتؤدب غزاة أو تؤمّن حدودا أو تصد عدوا يهدد.
 ومحاولة حصر هذه الحروب والمعارك سوف تفشل حتما أمام آلاف المعارك الصغيرة التى قد لا يتوقف عندها الرصد العسكرى كمعركة حربية, بقدر ما يتوقف عندها التاريخ العسكرى ليوضح ويفسر عقيدة الجيش المصرى منذ القدم فى الدفاع عن سيناء وحمايتها , ولماذا يجب أن يموت المصريون فداء لها؟ ذلك السؤال الذى تحوى إجابته باختصار ما قد يشفى فضول الأجيال الجديدة ويكون نبراسا لهم فى رؤيتهم لتلك البقعة الغالية من أرض مصر، فسيناء كانت معبرا للغزوات العسكرية على مصر وأول وأهم بوابة لتهديدها، وهى كانت وما زالت أهم مفتاح استراتيجى لضمان أمنها واستقرارها.
 
قبائل الرمال ... أول الحروب 
لعل أول ما يسجله التاريخ عن الأهمية العسكرية لسيناء يبدأ من عند تلك القبائل التى عرفها المصريون باسم (عامو - حربو يشع) ومعناها (قبائل البدو التى تعيش على الرمال)، وهذه القبائل كما أوضح عالم الآثار المصرى الدكتور عبد المنعم أبو بكر فى كتابه "كفاحنا ضد الغزاة"، كانت من أوائل الهجرات الآمورية القديمة التى زحفت على فلسطين ثم مدت أبصارها إلى سيناء ومن خلفها مصر كلها،  وبالفعل غزت هذه القبائل مصر فى عهد "بيبى الأول" أول ملوك الأسرة السادسة والذى استعان بالشاب "أونى" الذى كان من طبقة العامة ووصل بذكائه لمنصب وزير الفرعون ومستشاره فكلفه بطرد الغزاة، وكوّن "أونى" جيشا قوامه عشرات الألوف من أبناء مصر وتولى تدريبه أحد الضباط الأكفاء وعندما اكتمل استعداده قسّمه أونى إلى فرق ووضع على كل فرقة قائدا محنكا واستعرض الجيش أمام الفرعون ليباركه ويمنحه الإذن ببدء المعركة.   
انطلق أونى بالجيش حتى الحدود الشرقية الحالية ولاقى الغزاة على أرض سيناء لكن قوة الأعداء كانت هائلة فلم يتمكن من تحقيق نصر كامل عليهم , واضطر أن يشن هجمات لخمس مرات متتالية بالقوات البرية وكذلك بالأسطول الذى أطبق على الأعداء بحرا , وحاصرتهم القوة البرية ليتحقق النصر ويعود الجيش برايات العزة .
 
الهكسوس ..ملوك الرعاة 
 ثم كانت عاصفة الهكسوس الذين غزو مصر فى أواخر الدولة الوسطى واحتلوها من 1580 - 1730 قبل الميلاد , أى نحو 150 عاما. ورغم أن الغزو وقع فى وقت تفشى فيه وباء بين أهل مصر وسادها ضعف وانقسامات , لكن الهكسوس وجدوا مع ذلك مقاومة عنيفة وشديدة من الجيش المصرى على الرغم من أن الغزاة هاجموا مصر بأسلحة حديثة لم يعرفها المصريون من قبل مثل العربات الحربية التى تجرها الخيول والأقواس الكبيرة المركبة التى تطلق السهام البعيدة. احتل الهكسوس (أو ملوك الرعاة كما كانوا يعرفون) الدلتا ومصر الوسطى وتركوا الجنوب يحكمه أمراء مصر على أن يدفعوا لهم المقابل لذلك , وخلال حكمهم عاثوا فى مصر فسادا وقتلا وتذبيحا , ومع ذلك لم تتوقف مقاومة المصريين بل يؤرخ كفاحهم ضد الهكسوس كأول حرب تحرير عرفها العالم ,والتى انقسمت إلى ثلاث مراحل قادها أمراء طيبة من الجنوب الذى لم يستكن للمحتل. 
وترصد بردية (سالييه) - نسبة للعالم الذى اكتشفها- مقاومة المصريين من خلال مذكرات طالب مصرى عاش فى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، أى بعد جلاء الهكسوس عن مصر بثلاثة قرون، حيث كان الطلاب يدرسون هذا التاريخ لبلادهم , وفى هذه البردية يتحدث الطالب عن كفاح "سقنن رع" والى طيبة الذى لم يرضخ لطلبات ملك الهكسوس "ابوفيس"، بل قاد جيشه فى حروب عدة ومات وهو يتقدم قواته فى أشرف ساحات البطولة والوطنية , وخلفه ابنه "كامس" الذى واصل حرب التحرير بين عامى 1586 - 1590 ق.م .
ثم كانت المرحلة الثالثة والأشهر وتمتد بين 1558 - 1580 ق م , والتى حسمت حرب التحرير وقادها الأمير المصرى أحمس الأخ الأصغر "لكامس" والذى على يديه استوعب الجيش المصرى الأساليب الحديثة للحرب والأسلحة الجديدة. وبعد أن أعد العدة توجه لملاقاة الأعداء ودارت معارك تحريرية عظيمة فى شمال البلاد ,وسقطت أمامه القلاع واحدة تلو الأخرى, ووصل الجيش المصرى إلى "أواريس" عاصمة الهكسوس وبعد معارك طاحنة انسحب الهكسوس إلى الشمال فتعقبهم أحمس بجيشه عبر سيناء حتى بلدة (شاروهين) جنوب غزة التى سقطت بعد حصارها ثلاث سنوات وبسقوطها تأكد تحرير سيناء نهائيا. 
وهكذا يسجل التاريخ القديم أن الأسرة الثامنة عشرة التى كونت إمبراطورية مصر العظيمة أعطت أهمية كبيرة للوضع العسكرى لسيناء، التى شهدت ست مرات من العبور على عهد تحتمس الثالث العظيم 1447 - 1501ق م، لعل أشهرها حين عبرت قوات الجيش المصرى سيناء 1479 ق م عند القنطرة وسارت حتى جبل الكرمل  ثم مدينة ( مجدو) حيث دارت المعركة الشهيرة وانتصر الجيش المصرى على ملك قادش، وتلى تلك المعركة غزوات "تحتمس الثالث" , وكذا حملات "أمنحتب الثاني" لتأكيد سيادة مصر على بوابتها الشرقية.
وهدأت الأحوال فى "مجدو وقادش" بعد أن أرسل "الملك سيتي" حملتين إلى بلاد الشام  عبر سيناء وبمحاذاة ساحلها الذى أصبح الطريق الحربى الأعظم فى حروب مصر القديمة، واتخذ الملك "رمسيس الثانى" نفس الطريق عبر سيناء مسارا لحروبه فى حملاته وأشهرها الحملة الكبرى عام 1288 ق م , والتى كانت أبرز معاركها معركة "قادش" الشهيرة التى شارك فيها بنفسه وسجلها على جدران معبدى أبو سمبل جنوب مصر.
 
معارك هندو - أوروبية
تعرضت مصر لتهديدات من شعوب هندو- أوروبية فى أواخر عهد الملك" رمسيس الثاني" وكانت شعوبا دموية مثل الهكسوس أغارت على مصر فى القرن الثالث عشر قبل الميلاد من حدودها الشرقية والغربية. وكما أزاح الجيش المصرى الهكسوس أزاح هذه الغزوة بعد معارك طاحنة وطاردهم وتعقب فلولهم فى سيناء ومنها إلى الشام. 
ثم جاءت الهجمات الآشورية عبر سيناء بعد أن سطعت قوة الدولة الآشورية التى تكونت فى بلاد ما بين النهرين وتطلع الآشوريون بعدها لبسط نفوذهم على مصر بعد أن سيطروا على الشام وأرسلوا عدة حملات تمكن الجيش المصرى من صدها على أرض سيناء , حتى كان عصر ملكهم "سرجون الثانى" عام  722 ق م ,الذى زحف بجيشه حتى وصل إلى مدينة رفح وخاض معركة ضد الجيش المصرى الذى ألحق بالآشوريين هزيمة قاسية.
ويسجل التاريخ أنه عندما أصاب الضعف مصر عاود الآشوريون حلمهم بالسيطرة عليها وبالفعل تمكنوا من ذلك فى 671 ق م ,وعبروا سيناء إلى الدلتا وثبتوا أقدامهم فى حكم البلاد . لكن المصريين وملكهم "نخاو" أطلقوا حربا جديدة للتحرير تواصلت حتى استطاع الملك "ابسماتيك" أن يحرر مصر فى 640 ق م. 
لم تهدأ موجات التهديد والغزو عبر سيناء بوابة ومفتاح مصر الشرقى، ولم يكد "ابسماتيك" يطرد الآشوريين حتى بدأت موجات الغزو والهجمات الفارسية عبر سيناء حيث تطلع الفرس لضم مصر لإمبراطوريتهم وبدأت موجات الهجوم عبر سيناء فى عهد "قمبيز" الذى طلب من فرعون مصر التسليم لكنه رفض ودارت معارك طاحنة فى سيناء عند كل من غزة وبلوزيوم عام 525 ق م , لكنها انتهت بتحول مصر إلى ولاية فارسية، وذلك لمدة قرنين من الزمان احتل خلالهما الفرس مصر ,لكن لم يستقر لهم خلالهما الحكم, إذ تواصلت المقاومة فى ثلاث ثورات كما رصدها المؤرخون, كان أبرزها ثورة الأمير المصرى "أمير تاوس الثانى" فى عهد الإمبراطور الفارسى "دارا الثانى"  حيث انتصر الأمير المصرى على الفرس فى 404 ق م وأسس الأسرة الثامنة والعشرين، ثم عاد الفرس لاحتلال مصر عبر سيناء مرة أخرى بعد سبعين عاما فى عصر الفرعون "نقتا نبو" عام 332 ق م ,وظلوا على احتلالها حتى دخل "الإسكندر الأكبر" مصر فى نفس العام وأنهى وجود الفرس.
 
الإسكندر الأكبر وآخر حروب القدماء
ربما لم يلتفت كثير من الباحثين عند تعرضهم لفترة حكم اليونان لمصر أن ملكهم الإسكندر الأكبر عندما غزا مصر دخلها عن طريق سيناء وليس عن طريق البحر المتوسط كما يفترض الكثيرون، فالإسكندر الأكبر انتصر على الفرس وانتقم منهم لغزوهم مقدونيا ثم عبر آسيا الصغرى  وزحف إلى الشام وحاصر صيدا سبعة أشهر حتى سقطت ثم زحف إلى مصر بجيش برى وآخر بحرى, ووصل سيناء عند بلوزيوم وانتصر على الفرس ودخل مصر التى عرفت لاحقا حكم البطالمة.
 
سيناء ومعارك ما بعد الفتح العربي
فى أثناء حكم الرومان لمصر تراجعت أهمية سيناء العسكرية وانتشرت بها الأديرة وصوامع الرهبنة فرارا من الاضطهاد الرومانى حتى فتح العرب المسلمون مصر من الطريق التاريخى أو طريق الفرما، ويروى كتاب (فتوح مصر وأخبارها) لابن عبد الحكم قصة دخول عمرو بن العاص مصر وكتاب الخليفة عمر بن الخطاب الذى يأمره فيه بالرجوع إذا كان لم يدخل بَرّ مصر فسأل ابن العاص : أين نحن يا قوم؟ فأجابوا أنهم فى العريش وهى من أرض مصر وأنهم عبروا رفح بالأمس فواصل عمرو بن العاص المسير بجيشه حتى فتح مصر عبر سيناء. 
وظلت أرض سيناء ميدانا للمعارك بين مصر وأعدائها لقرون طويلة حتى جاء العدو الإسرائيلى ليقتطعها من جسد أم الدنيا فى 1967 قبل أن يستعيد الجيش المصرى جزءا كبيرا منها فى واحدة من أعظم الملاحم العسكرية فى التاريخ , فى السادس من أكتوبر عام 1973 ,ثم تم استعادة بقية سيناء وخرج آخر جندى إسرائيلى منها فى 25 أبريل من عام 1982 وذلك وفق اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية , حتى نجح المفاوض المصرى فى بسط كامل السيطرة المصرية عليها فى مارس 1989 عقب مفاوضات وسجالات فى التحكيم الدولى أعادت طابا ،آخر درة فى تاج سيناء المرصع , الذى يزين جبين مصر مائلا جهة الشرق.
 
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg