رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

أهل الله

أن تكون صوفيًا ليس بارتداء المسبحة فى الرقبة والتمتمة بتعاويذ وأحرف لا تدرى معناها،ليس التصوف أن تلتقط صورة صحبة بعض المشايخ المشاهير بهذه الصفة، قد لا يكونون متصوفة ولا تترجم أفعالهم أو قلوبهم شيئًا مما اشتهروا به! 
 أن تكون صوفيًا يعنى أن تكون من أوسع الناس صدرًا.. وألينهم حديثًا لا فظًّا ولا جلفًا ولا جافيًا .. أن تكون متواضعًا غير منتفخٍ بأمراض العصر .. أن تكون منتجًا شيئًا وليس أغلى ولا أثمن من إنتاج إنسانك .. أن تكون كما كان نبيّك الذى تتحدث عنه .. مكث فى الغار صامتًا متبتلاً إلى ربّه دون صخب .. حتى إذا ما صار لديه شيءٌ يُلقيه على الناس ألقاه بينهم ووصفه أصحابه بأنه لم يكن فظًّا ولا غليظًا ولا صخّابًا.. كما وصفوه بأنه لم يفتش فى قلوب الخلائق .. وعرّفه ربّه بأنه "لست عليهم بمسيطر"!.. ولو شاء ربّك لآمن من فى الأرض أجمعين.. وإنك لا تجبر أحدًا على احترامك واحترام غيرك، الذى يرفعك مقامًا محمودًا هو عملك، يرقّى إنسانك وإن أنكرك ألف ألف يهوذا.
-اكفر بالرطانات.
-دعك من الطنطنة الفارغة.
-كثيرون يخبرون عن الخمر والعشق لكن صنّاعها المهرة قلّة نادرة. ومن ذاب فى العشق قليلون!
-التصوف نفسية مرنة وانسيابية, طاقة منفتحة ومتاحة للعالمين.
-الإنسان غالٍ جدًّا أحيا الله من كان سببًا فى ابتسامة واحدة منه.
أن تكون صوفيّاً؛ أى أن تخلع عنك كل الأفكار المُسبقة ما كان بالياً منها أو حديثاً، ولا تفرض فكرًا على أحد ولا تنشغل بأفكار الآخرين مهما ظهر لك أنها لا تناسبك ولا تناسب الآدميين، وإن كنت مهموماً بتغيير العالم من حولك، فإنه سيتغير حتماً إن تغيّرت، ومن خلال حياتك الناجحة وبشريتك الراقية سيسعى غيرك للحصول على ما حصلت عليه.
يُروى أن رجلين من أهل الله فى طريق سفر من بلدة لأخرى، وفى الطريق مرا بنهر، ووجدا على ضفته امرأة تنتظر بمفردها فى وقت متأخر، وتبدو عليها ملامح الحزن والأسى، فسألاها: يا أختاه هل تحتاجين من شيء نقدمه لك، فقالت: أريد العبور للضفة الأخرى لأعود لأولادى ولكننى تأخرت وأخاف الغرق، فسارع أحد الرجلين إليها وحنى ظهره وقال لها اركبي، فامتطت المرأة ظهره وعبر بها إلى الضفة الأخرى من النهر، وبعدها أنزلها وألقى عليها السلام، ثم انطلق مع صاحبه إلى وجهتهما، وبعد مسيرة يومين من السفر، قال له صاحبه: هناك سؤال يؤرقنى طوال سفرنا، فهل لى أن أسأله إياك، فأشار إليه بالموافقة، فسأله: كيف تسنّى لك وأنت شيخ عالم فاضل أن تمس امرأة لا تحل لك، بل وتحملها على ظهرك وتشعر بحرارة صدرها على ظهرك، وتحتّك أبدانكما أحدهما بالآخر، أليس هذا حراما؟ فأجابه صاحبه مبتسما: والله يا صاحبي، لقد تركت أنا المرأة على ضفة النهر الأخرى قبل يومين، ولكن يبدو أنك لم تتركها طوال اليومين حتى هذه اللحظة.
فإن كان كثيرٌ من الناس يتعبّدون الله ويتقربون إليه بسوء الظن، فكن أنت غيرهم وأحسن الظنّ بعباد الله تكن إنسانا قبل أن تكون صوفيًّا.
إننا اليوم نعيشُ فى مرحلة مختلفة من مراحل التّصوفِ، يمكن توصيفها بـ(أرحب من الطُّرقية) أو (ما بعد الطُّرقية) ينبغى أن يهتم بها الدّارسون والباحثون الذين يعتبرون أنفسهم مختصّين فى هذا الحقل، كما ينبغى على أهل الطّرق أو من صحّ توجّهه وقصده منهم أن يتفهّموا هذا اللون الصوفيّ الذى أضحى منتشرًا، فبعد أن كانت البلدان العربية أو الإسلامية هى التى تصدّر التصوف، أصبح أهلها وخاصة الشباب منجذبين إلى التصوف الناطق بلغات أعجمية، وإن نطق بالعربية فبروح أهل الغرب!
هذا اللون الجديد من التّصوف لا يقيم وزنًا للعصبيات والمسمّيات الطُّرقية، كما لا يعتد بشرائط أهل التصوف الحالية، ولا تنطلى عليه الهالات الصورية التى يصطبغ بها أهل التصوف الكلاسيكي، ولا الأشكال التى يلتزمون بها (شكلاً لا معنى ومبنى) من باب إثبات وجودهم وبقائهم فى مشهد الحياة .. فى عالم لم يعد يعترف بالصورة كما كان تصوّف الأمس الذى نقرأ عنه يمقتُ الصورة ويزهّد الناس فيها لفنائها وللاهتمام بما هو أبقى وأنفع للذات.
إن أويس القرنى لم يتلق طريق الزهد والروحانية عن شيخ،أويدرج فى سلك الزهّاد باعتبار كراماته وأفعاله الجسام، يُوصف أويس فى كتب التراث بالأوصاف التى تتكررمع الجيل الأول بعض منها،لكن صفات أويس لها مكانتها الخاصة،إذ الذى يصفه بها هوالنبى محمدصلى الله عليه وسلّم: 
أويس: مجهول فى الأرض! معروفٌ فى السماء. لوأقسم على الله لأبرّه . مجاب الدعاء.
خاملُ الذّكرِ. شاردالعقل. ممزق الثوب. 
لايخص بالاستغفار أحدًا بل يستغفر الله للجميع، ويشمل الجميع بدعائه.
يدخل الناس الجنة (نفسى نفسي) يشارك أويس النبى فى شفاعته لأقوام! 
من عظاته: لاتقطع رجاءك عن الله فى الطاعة والمعصية. وحين سأله اثنان من الصحابة البارزين (عمرو على رضى الله عنهما) عن كيف هى صورة النبى فى عينه، رغم أن كلاهما عاش معا لنبى ورآه، قال: إننى أتصوره صلوات الله عليه فى بصيرتى على غير مارأيتم بأعينكم وشاهدتم!
الصّوفيُّ هو المُسافرُ فِى المَعْنَى!
الصّوفيُّ يخلقُ اللغة خلقًا جديدًا، فهو وإن آمن بالسرمدية والخلق القديم، إلا أنه لا يرضخ لكلمات وعبارات يشملها قاموس المعجمين، فهناك قبل الكلمة حرفٌ، وللحرف ألف ألف معنى، وإن عبّر الحرف عن صورة المعنى، فهناك من (المواقف) و(المخاطبات) و(المشاهدات) ما لا يُعبّر عنه بـ(حرف) ولا (يقال)! كـ(لوحة) فنان بديعة عاش صاحبها ما رسمه واقعًا، وصارت رمزًا يحتمل آلاف القراءات من ناظريه.
الصّوفيُّ هو المشغول بنفسه وعللها وأمراضها، بغية علاجها والترقّى بها فى مدارج الكمال، شُغل الصّوفى بكل تفصيلة دقيقة أو أمر فرعيّ من شأنه أن يعكّر صفو حياته، أو يعوق مسيرة تقدّمه فى هذه الحياة، وآمن الصّوفيُّ أنه كلما ازداد قربًا من نفسه، اقترب من ربّه، وكلما عرف نفسه عرف ربّه، ومن العلم البشرى والعلم الإلهى تكتمل معارفه بهذه النفس!
ولو قارنّا ما يقول الصوفى عن النفس قديمًا بما يقوله علماء النفس اليوم عنها، لأدركنا أن من أهل التصوف من كان على دراية بطبّ القلوب الذى نحن فى أمس الحاجة إليه اليوم، ولو أفدنا منهم لغنمنا الخير الكثير.
وما يحدث للصوفية في حال اللقاء والحضرة والإلهام لا يمكن وصفه بجميع اللغات، وإن كان للصوفية دور فى تطور اللغات بأن خلقوا لسانا غير الألسنة المعروفة يسميه البعض بلسان المحبة والجمال، إلا أن هذا اللسان يعجز عن التعبير كما تعجز الأرض عن احتمال مياه الطوفان والسيول فتغرق.. ويمكن تسمية هذا الغرق بالغرق اللذيذ الذى يستمتع به الصوفى أيّما استمتاع ويشعر بنشوة لا يمكن أن يشترك معه فيها سوى أهله وأمثاله .. يخبرك الفنان برسمه وألحانه عن بعض هذه النشوة وهذا الشعور.. لكنك لا تعى ما يقول دون أن تحيا مثل هذه الحياة!
من سعة عالم الصوفية قديما أنهم قرأوا أشعار التصوف بأنفسهم وشرحوها وطوّروها عبر خبرتهم الذاتية، فى حين أن شعراء العربية المشغولين بأغراض أخرى غير التصوف لم يقرأوا شعر التصوف أو يُعنوا به عنايتهم بالأشعار الأخرى، فى حين أن الصوفية استطاعوا أن يكونوا كالشمس تشرق على الجميع فتشملهم بأنوارها، فنجد من كلام المتنبى وجميل بثينة وامرئ القيس ما يُستشهد به فى كتاباتهم، ومن يقرأ مثنوى مولانا جلال الدين الرومى يجد المتنبى حاضرًا بشكل كبير، مما حدا ببعضهم أن يكتب عن أثر المتنبى فى الرومي، ومن يقرأ كتاب العلامة المهضوم حقه محمد غنيمى هلال عن ليلى والمجنون أو كتابه عن الحب العذرى سيتعرف على أثر الصوفية شعرًا وأدبًا وإشراقًا وحياة.
وإذا كان الإسلام قد حرّم الخمر فإن الصوفية عثروا على خمر طهور حلال رأوا أن الخلق جميعًا سكروا منه، قبل بدء الأزمان والأديان وقبل أن يخلق الله العوالم، وقال سلطانهم العاشق فى ذلك: شربنا على ذكر الحبيب مدامة.. سكرنا بها من قبل أن يُخلق الكرم!
آمن الصّوفية بأن القلب الإنسانى يشبه النّاى الذى يغنّى إذا نفخ فيه الموسيقار الأزلى ولا يمكن للقلب أن يغنّى إلاّ وقد نفخ فيه الرحمن من روحه حياة، كما لا يمكن أن تدور السماوات إلا إذا حرّكتها أنغام الخلاّق!
على الرغم من تصنيف (أهل الظاهر) فى تحريم السماع كتبًا تُعد بالعشرات وربما  تبلغ المئة، إلا أن الصوفية وإن صنّفوا في إباحة السماع، بل وضرورته أحيانًا للسالك، تجاوز الصوفية الأوراق والدفاتر وأصبحوا يسمعون الألحان ويرون فيها تحريكًا للعالم أجمع شوقًا إلى باريه، سمعوا الألحان فى كل شيء حتى أن أحدهم أخبر أنه كان يسمع تسبيح الملائكة ويلتذ من أنغامها!
وكان من كلام أحد الصوفية: ضحكت الأشياء للعارفين بأفواه القدرة  بل بأفواه الربّ .
لو ترى مشاهدة الحقِ فى الأشياء.. ترى أنوار جماله من أوراق الورد والنرجس والياسمين ووجوه الحِسان.. وتسمعُ أصوات الوصل من ألحان الطيور والبلابل والعنادل وأصوات الرياح والسحاب والأوتار وفى كل شيء له آية تدل على أنه واحد!
يُروى أنه قال رجل لسهل بن عبد الله التستري: من أصْحب من طوائف الناس؟فقال: عليك بالصوفية، فإنهم لا يستكثرون, ولا يستنكرون شيئا, ولكل فعل عندهم تأويل, فهم يعذرونك على كل حال”.
كان سهل التسترى صوفيًّا كما كان غيره، ممن تُحكى كلماتهم وعباراتهم حتى هذه اللحظة متخلّقين متحققين واقعًا بما يقولون عبر ما وصلنا من سيرهم، أمّا اليوم فليس لكل فعل تأويل عند (صوفية العصر) إن وجدوا!
ترى الإقصاء فى خطابهم كغيرهم من سائر صور الإسلام المعاصر، التى ورثت أسماء وكلمات وصورًا ولم تعِ معنى من معانى السابقين، أو تتحقق علمًا، أو تتخلق بأخلاق الرحمة التى هى كما نصّ الكتاب للعالمين! يمكنك أن تقرأ عند صوفية اليوم أن (خصمهم) حاخام أكبر ويهودى دنّس الإسلام! وابن تيمية كالتسترى كالحلاج كغيره من أهل الإسلام القدامى، اجتهد فى (تأويل) كلام الله ورسوله، كما اجتهد الفقهاء، كما اجتهد الصوفية!
تحجّر فلان فى الإمساك بتأويله الشخصى واعتباره الوجه الوحيد للنص، وقَبِل فلان تآويل الآخرين باعتبارها صورة من صور الوصول تلزم غيرى ولا تلزمني، أما أهل المذاهب (الورثة اسمًا) جميعهم متحجّرون، لا يقبلون تأويلاً وربما رفضوا النصّ المؤول عبادة منهم لصنم الذات المفرّغ!
إن محبة التّصوف ليست بالإفراط فى مدحه وتبجيل أهله وجعله فى (إطار واحدٍ) لا يخرج عنه!
لأننا إن فعلنا ذلك وقعنا فيما ننكر!
محبتك لوجه جمالى مشرق تعنى أن تعيش ما تراه جميلاً دون صخب، وتحاول التعبير فى هدوء وصدق عما تحياه لا ما يُنقل إليك عنه!
لا يُختزلُ التّصوفُ في (قال الله) و(قال الرسول) و(قال الإمام) و(كان وليُّ الله يقول)!
لا غنى عن الأقوال فى البناء، لكن إن انتصب عودك أنت دومًا (تقول) و(تقول) وتقول ولا تمل من القول.
لا يُختزلُ التّصوفُ فى النثر دون الشعر.
ولا يُختزلُ التّصوفُ فى الكلام دون الأنغام.
ولا يُختزلُ التّصوفُ فى التنسك والعبادات ويُنسى الصمت.
لا يُختزلُ التّصوفُ فى رسم الجسد، الروح تحيا ألف لون من ألوان التصوف! ولا يُختزلُ التّصوفُ كما الإنسان فى أى صورة من الصور.
تتعدد الصور ويزيدُ فى الخلق ما يشاء!
 
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg