رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

تأملات رمضانية..."اصحى يا توماس!!"

فى طفولتى وأيام صباى أجد المسحراتى .. بطبلته وصيحته (اصحى يا نايم) و(اصحى يا توماس) أحيانا، إذ إن المسحراتى الذى كان يمر فى حارة أديب تراك المتفرع من شارع الترعة البولاقية بشبرا أراد حينذاك فى الستينيات أن يبعث الفرح والبهجة فى قلبى.. فكان يقول أيضا: (اصحى يا.. توماس) أحيانا، وكان مع نهاية شهر رمضان وقدوم عيد الفطر يأتى إلى محل والدى الصغير الخاص بمواد الصباغة الكائن بنفس الحارة ليأخذ العيدية ويسألنى أنا إن وجدت بالمحل إذا كنت قد سمعت صيحته وصحيت مثل أهل الحى والحارة .. أنا توماس الأرمنى المسيحى ابن الخواجة كيروب ـ كما اعتاد جيراننا وأهل الحارة أن يصفوا والدى ويصفونى أحيانا ـ لن أنسى أبدا يوم أن عرفنى والدى بعم محمود المسحراتى آسف ربما لم يكن هذا اسمه إلا أننى مازلت أتذكر هيئته ووقفته كان يبدو ضخما بالنسبة لى وسألته بعد تردد: (وبتعمل ايه فى شهور السنة الباقية؟؟) ،ولم يطل الوقت حتى وجدته مرة أخرى وهو يبيع متجولا تلك التفاحات الخضراء الصغيرة المغموسة فى السكر الأحمر، وغالبا كانت له وسائل أخرى لتوفير لقمة العيش خلال أيام السنة الباقية..
و"اصحى يا نايم" الصيحة والعبارة بشكل عام صارت جزءا من ثقافتنا المصرية وقاموس لغتنا الشعبية وحديثنا الدارج وقد تعودنا  على تكرار قولها وسماعها فى كل الأوقات وجميع المواقف .. قد نلتفت اليها أحيانا وقد "نطنش عليها" غالبا .. وذلك فى سياق أو سباق اللهث اليومى والجرى وراء لقمة العيش. وتبريرنا الدائم ل "طناشنا" فى رأى بعض علماء النفس والاجتماع  هو ضرورة الاحتماء أو حتمية الاكتفاء بما هو آمن ومضمون ومعتاد .. وبما لا يحمل أيا من مخاطر المغامرة ولا تبعات المقامرة.
......................
شهر رمضان اعتدنا أن يحمل لنا فرصا عديدة للقيام ب" تأمل الأوضاع" واللجوء إلى"نزهة الأرواح" والتوقف عند  محطات عقلية وروحية الهدف منها مراجعة النفس ومن ثم إعادة النظر وتقييم الأداء قبل استئناف الرحلة من جديد .. هكذا كانت نصيحة الكبار من حولى .. وهكذا تعلمت وتمسكت بهذا المفهوم وواظبت عليه.. رغم تبدل الظروف وتغير البشر!
ووجدت فى"اصحى يا…" صيحة تتكرر على مسامعنا ليس فقط من المسحراتى فى رمضان بل من أقلام كثيرة وأصوات عديدة كجرس تنبيه أو كروشتة علاج لما هو قائم لدينا أو ما هو قادم إلينا. وبالتأكيد تكرارها لا ضرر منه. وفى كل الأحوال..التكرار طبعا يعلم الشطار، ويجب ألا ننسى أن مهمة المسحراتى ( كمفهوم عام)  ليست فقط "دق الطبل" بل توصيل الرسالة ذاتها ،وإصرار وعزيمة المسحراتى على إيصال الرسالة للآخرين وحثهم للالتفات والانتباه و"إيقاظ الضمير". واسألوا فى هذا رفاعة الطهطاوى وطه حسين وغاندى ومانديلا والأم تيريزا وغيرهم.
والأمر الذى يدعو للتفاؤل ويشرح القلب هو أن "المسحراتية" (اذا جمعناهم معا فى مجموعة واحدة) فى كل زمان وفى كل مكان عندنا وعند غيرناـ وبكل بقاع العالم  هم "لسه بخير" (الحمد لله) ..لم يكفوا ولن يكفوا عن دق الطبول وقول"اصحى يا نايم" .. ليلا أو نهارا.
والمسحراتى كمفهوم فى الحياة وموقف منها ألهم المبدعين لكى يقولوا ما يقولونه ويكتبوا ما يكتبونه باسم المسحراتى بما له من فلسفة و أسلوب خاص وصفه شاعرنا الحبيب فؤاد حداد بكلماته وسيد مكاوى بلحنه وصوته قائلا:
الرجل تدب مطرح ما تحب
وأنا صنعتى مسحراتى وفى البلد جوال
حبيت ودبيت كما العاشق ليالى طوال
وكل شبر وحته من بلدى حته من كبدى حته من موال
......................
وبما أننى قررت فى حياتى البحث عن المسحراتية والاحتفاء بهم والعمل بنصائحهم أجد حرص كاتبنا الكبير يحيى حقى على أن يكتب فى مقدمة مذكراته " أسير فى هذه المذكرات مثلما سرت فى حياتى أفرد الشراع وأقول لزورقى والبحر المخوف أمامه: "خليها على الله"
وليحيى حقى سطور أقف أمامها وأتأملها بتمهل وأكرر تأملى لها لأنها تحتضن ذكرياتى وكنت ومازلت أعيشها لحظات روحية لا يمكن وصفها..
......................
"من فضائل رمضان أنه يتيح لعدد كبير من الصائمين أن يتذوقوا بعد السحور متعة فترة تفوتهم هم وأغلب الناس بقية العام لأنهم من حزب نوم الضحى، فيهم من يسهر اضطراراً لأنه من الكادحين، وفيهم من يسهر دلعاً لأنه من عشاق الليل أعداء الشمس، إنها شقشقة الفجر، يا له من جمال، أعجب كيف يغفل كثير من الناس عنها، ليس إلا عندما يمتلئ القلب بأقصى ما يقدر عليه من الإحساس بعظمة الخالق، بروعة الكون، بالتشوق للطهر، بالانبهار بالجمال". هذا التنبيه لهذه المتعة العميقة المصاحبة لذاك الإحساس العظيم صاحبه كاتبنا الحبيب يحيى حقى. وقد ذكره فى مقالة كتبها فى ديسمبر 1967 بجريدة "التعاون". وتجدها فى كتابه "كناسة الدكان".
ويذكر يحيى حقى أيضا "ومن العجيب أن القرآن الكريم منتبه لشقشقة الفجر، متيم بجمالها، أنه أقسم بالفجر «والفجر. وليال عشر»، ربط بينه وبين صدق النية وصفاء الروح: «إن قرآن الفجر كان مشهودا»، رسمه على لوحة مبهجة الألوان بخيط أبيض وخيط أسود، ما أعجب رعشة هذه اللحظة من الزمان."
و"شقشقة الفجر" جاء يحيى حقى بسيرتها وهو يحكى عن عالم طفولته ومولد الفجر لديه بالذات.. تلك اللحظة الساحرة الجميلة من الزمان مع بداية اليوم وشروق الشمس .. مع دنياه وهو طفل عندما كانت وحسب توصيفه "دنيا المسموعات لا المرئيات" وبالتالى يتذكر منها صوت دقة نبوت الخفير بالليل وأيضا صوت البومة. وفى الفجر كما يكتب ".. يصل إلى سمعى صوت حلو مرتين، مرة لأنه بعيد، ومرة لأنه يملأ قلبى بالفرح والخشوع معا، إنه صوت المؤذن: الله أكبر .. الله أكبر. حينئذ أحس بأننى فى حوزة رب قدير ورحيم معا، صوت المؤذن هو الذى يبدد عندى الظلام والمخاوف. وها هو ذا بشير آخر بالصبح، إنه صوت الديك. يؤذن لى هو أيضا من على سطح قريب، كأنه يقول: اصح يا نايم".
ودورة أيامنا بين عتمة الليل و "شقشقة الفجر" يستعين بها المفكر د. حسين فوزى فى كتابه المتميز "سندباد مصرى"وهو يقوم بجولات فى رحاب التاريخ، إذ إنه قسم فصول الكتاب إلى ثلاثة أقسام "الظلام" و"الخيط الأبيض والخيط الأسود" و"الضياء". والسندباد يقول عن كتابه " كتبته فى بحبوحة الأدب والفن: حرية فى الفكر، وتحرر فى الأسلوب، وتصرف فى نقل النصوص المصرية القديمة".
وسواء كانت الجولات التى نقوم بها فى رحاب التاريخ أو بين تضاريس الجغرافيا فإن ما قد نكتشفه بداخلنا يعد هو الأهم والأثمن والأغلى لنا، هذا ما نصحه لنا الكبار ومنهم بلا شك يحيى حقى بما كتبه وما نقرأه فى "عشق الكلمة" و"أنشودة البساطة" و"خليها على الله" و"من فيض الكريم"، وفى كتاب ليحيى حقى يحمل هذا العنوان الأخير من فيض الكريم نقرأ عن رجل صعيدى "عم محفوظ" تقدم به العمر ويعمل حارسا لعمارة شاهقة يجرى بناؤها متحملا مشاق العمل ومتاعبه لأن صاحب الملك أكد له أنه سيكون بواب العمارة، ولكن حين تم التشطيب نكث بوعده ورفت الرجل وجاء بشاب وسيم ليكون بواب العمارة. ويقول يحيى حقى: "وحين وصلت وجدت عم محفوظ واقفا وسط الشارع، كالصنم .. كنت سمعت بخبره فأقبلت عليه بلهفة وفى قلبى جزع شديد عليه. فلو جرى لى ما جرى له لانهدمت، قلت له: 
ـ ماذا ستفعل ، أين ستذهب؟
أجابنى بصوت لم تتغير نبرته التى أعهدها:
ـ وى، لى رب.
ثم رفع سبابته إلى السماء. وأضاف لا هو مبتسم ولا هو متهجم:
ـ كيف تقول هذا لى، أتحسب أن الله خلقنى لينسانى ..
وأدركت كم أنا ضئيل وقنوط بالقياس إليه.
ووقفت أراقبه وهو يبتعد عنى بخطى ثابتة، كأنه ذاهب للوفاء بموعد مضروب منذ الأزل مع صاحب عمارة ناطحة للسحاب .. تتسع لأهل الأرض جميعا. لا تصد طالبا لسكن .. سيكون هو بوابها."
......................
عم محفوظ ويحيى حقى وحسين فوزى وفؤاد حداد هم من أساتذتنا فى دروب الحياة. مسحراتية كل العصور .. ولنا رب اسمه الكريم!
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg