رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

الجنرال الذهبي ..عبد المنعم رياض

قبل استشهاده بيوم وفي الثامن من مارس 1969 شهدت نقطة المعدية رقم 6 في الإسماعيلية ، معركة ضارية بالمدفعية بين قوات الجيش المصري والقوات الإسرائيلية، واستمرت حتى غابت الشمس، وكانت حصيلتها تفجير مخزن الذخيرة الرئيسي في «دشمة العدو» أمام كوبري الفردان والتي تعتبر جزءا مهما من خط بارليف. 
وفي التاسع من مارس توجه الفريق عبد المنعم رياض في زيارة مفاجئة بدون إعداد أو إخطار مسبق للتشكيل الذي خاض المعركة في اليوم السابق، ليتفقد خلالها سير العمليات في حرب الاستنزاف التي بدأت صبيحة يوم 6 يونيه 1969 .  
توجه الفريق رياض إلى الجبهة ليكون بين قواته المقاتلة واستقل مروحية ومعه مدير المدفعية وأحد ضباط مكتبه، وعلى الجبهة انضم إليهم قائد الجيش، ثم زار الوحدات التابعة له، وفجأة طلب زيارة وحدة متقدمة شاركت في قصف اليوم السابق وأصر على ذلك رغم أنها في مواجهة القوات الإسرائيلية وبالفعل وصل الموقع 6 ، وهو موقع اكتسب اسمه من معدية صغيرة تابعة لهيئة قناة السويس، ولا يبعد سوى 250 مترا عن موقع العدو .
وانتقل رياض إلى المواقع الأمامية؛ ليلتقي الجنود، ويدخل الخنادق، يسأل الأفراد عن معركة الأمس وكيف جرت؟ ولم يأبه لخطورة منصبه وظل ينتقل خلف السواتر.. صافح الجنود واحدًا واحدًا، ناقشهم وناقشوه ضحك معهم وضحكوا معه. 
 رصده الإسرائيليون وأطلقوا قذائفهم على الموقع 6 ،ودارت معركة استمرت أكثر من ساعة ونصف الساعة، أصر خلالها على عدم مغادرة الموقع، وظل ينتقل من نقطة إلى أخرى يراقب بمنظاره تحركات مدفعية العدو، ليرصد سير وأداء قواته في مواجهة القوات المصرية، إلى أن شاء القدر أن تسقط إحدى الدانات بالقرب من الحفرة التى قاد منها البطل المعركة، ففرّغت الهواء وأٌصيب بانفجار داخلي بالرئة، وبدأت الدماء تسيل من فمه دون أن ينطق ليستشهد القائد وسط جنوده، كما روى الجندي الذي سقط معه في الحفرة قائلا:» آخر كلماته عندما سألته عن إصابته: «بسيطة».
 
من دراسة الطب إلى الحرب على جبهة القتال
وُلِد الفريق محمد عبد المنعم محمد رياض عبد الله في قرية سبرباي إحدى ضواحي مدينة طنطا محافظة الغربية في 22 أكتوبر 1919،  وكان جده عبد الله طه على الرزيقي من أعيان الفيوم، ووالده القائم مقام “عقيد حاليًّا”، والتحق بكلية الطب تحقيقا لرغبة أسرته لكن بعد دراسة عامين تركها والتحق بالكلية الحربية دفعة أكتوبر عام 1936، واختار سلاح المدفعية ليتخصص به، ثم انتقل إلى الدفاع الجوي، الذي كان تابعًا للقوات الجوية.
 نال شهادة الماجستير في العلوم العسكرية، وكان ترتيبه الأول في التخرج 1944 ونال دراسات في مدرسة المدفعية المضادة للطائرات البريطانية، وبمدرسة المدفعية، في المملكة المتحدة، ونال تقدير الامتياز ودرس اللغات الإنجليزية والفرنسية والروسية، وانتسب لكلية التجارة وهو برتبة الفريق.
منح وسام الجدارة الذهبي لدوره في حرب فلسطين، وهو برتبة مقدم وتولى قيادة مدرسة المدفعية في 1951 ، ثم تدرج في مناصب القيادة، قائدا للواء الأول المضاد للطائرات في الإسكندرية، ثم قائدا للدفاع المضاد للطائرات، في قيادة سلاح المدفعية، وظل في هذا المنصب إلى أن أُوفِدَ، في 1958، إلى الاتحاد السوفيتي لإتمام دورة تكتيكية تعبوية في الأكاديمية العسكرية العليا في فرونزز، وأتمها في 31 يناير 1959، وحصل على تقدير الامتياز، وحصل أيضا على لقبه الأشهر  هناك «الجنرال الذهبي».
بعد عودته شغل منصب رئيس أركان سلاح المدفعية، ثم نائب رئيس شعبة العمليات، برئاسة أركان حرب القوات المسلحة وانتُدِبَ للعمل في القوات الجوية، وأُسند إليه منصب مستشار قيادة القوات الجوية، لشئون الدفاع الجوي ثم اشترك وهو في رتبة اللواء، في دورة خاصة بالصواريخ، بمدرسة المدفعية المضادة للطائرات، وفي  مارس 1964، عُيِّنَ رئيساً لأركان القيادة العربية الموحدة. 
رُقي عبدالمنعم رياض إلى رتبة الفريق في  أبريل 1966. وفي 12 يوليه، من السنة نفسها، أتم دراسته بأكاديمية ناصر العسكرية العليا وحصل على زمالة كلية الحرب العليا، وعندما عُقِدَتْ معاهدة الدفاع المشترك، بين مصر والأردن في 30 مايو 1967، ووضعت بموجبها قوات الدولتين تحت قيادة مشتركة، عُيِّنَ الفريق عبدالمنعم رياض، قائداً لمركز القيادة المتقدم في عمان، وحين وقع عدوان الخامس من يونيه 1967، عُيِّنَ الفريق رياض قائداً عاماً للجبهة الأردنية. وبعد الهزيمة وفي 11 يونيه 1967، عين الفريق رياض، رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة المصرية، وبدأ إعادة تنظيم القوات المسلحة المصرية وبنائها. 
وفي نهاية شهر يونيه، وبعد أيام من بدء عملية إعادة بناء القوات المسلحة،، حاول العدو الإسرائيلي، التقدم لاحتلال بور فؤاد، على الضفة الشرقية لقناة السويس ونشبت معركة رأس العش، فصمدت القوات المصرية بالموقع رغم أنها لا تتجاوز فصيلة المشاة، وتكبد العدو خسائر فادحة. وتوالت بعد ذلك الاشتباكات التي أثبتت أن القيادة الجديدة غيرت في أداء القوات وثقتها بنفسها مجددا، وسجلت هذه المرحلة عمليات بطولية مثل إغراق المدمرة إيلات التي أصبحت علامة في الحروب البحرية الحديثة، وعملية تدمير قواعد الصواريخ الإسرائيلية في أكتوبر 1968 .
 
جمال عبد الناصر ينعى الجنرال
عندما سقط الشهيد عبد المنعم رياض علي الجبهة كان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر يترأس اجتماعا لمجلس الوزراء، الذي كان يناقش تقريراً عن سير العمليات العسكرية على الجبهة، وغادر عبد الناصر متجها إلى وزارة الحربية، حيث استمع إلى تقرير تفصيلي عن واقعة الاستشهاد، ثم أصدر بياناً نعى فيه إلى الأمة العربية عبدالمنعم رياض.
وصدر البيان عن رئاسة الجمهورية نعى فيه الرئيس عبد الناصر رئيس الأركان الذي منح رتبة أعلى إلى الفريق أول جاء نصه:
«فقدت الجمهورية العربية المتحدة أمس جنديا من أشجع جنودها وأكثرهم بسالة، وهو الفريق عبد المنعم رياض رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة، وكان الفريق عبد المنعم رياض فى جبهة القتال وأبت عليه شجاعته إلا أن يتقدم إلى الخط الأول، بينما كانت معارك المدفعية على أشدها، وسقطت إحدى قنابل المدفعية المعادية على الموقع الذى كان الفريق عبد المنعم رياض يقف فيه، وشاء قضاء الله وقدره أن يصاب وأن تكون إصابته قاتلة. إننى أنعى للأمة العربية رجلا كانت له همة الأبطال، تمثلت فيه كل خصال شعبه وقدراته وأصالته.
إن الجمهورية العربية المتحدة تقدم عبد المنعم رياض إلى رحاب الشهادة من أجل الوطن، راضية مؤمنة واثقة فى أن طريق النصر هو طريق التضحيات ، ولقد كان من دواعى الشرف أن قدم عبد المنعم رياض حياته للفداء وللواجب فى يوم مجيد استطاعت فيه القوات المسلحة أن تلحق بالعدو خسائر تعتبر من أشد ما تعرض له.
 لقد وقع الجندى الباسل فى ساحة المعركة ومن حوله جنود من رجال وطنه يقومون بالواجب أعظم وأكرم ما يكون من أجل يوم اجتمعت عليه إرادة أمتهم العربية، والتقى عليه تصميمها قسما على التحرير كاملا، وعهدا بالنصرعزيزا، مهما يكن الثمن، ومهما غلت التضحيات».
 
نبوءات ووصايا  الشهيد
«كن دائما بين جنودك في السلم ومعهم في الصفوف الأمامية في الحرب. كن قدوة صادقة لجنودك. أنا لست أقل من أي جندي يدافع عن الجبهة ولابد أن أكون بينهم في كل لحظة من لحظات البطولة». هكذا آمن بما قاله ونفذه فاستشهد أمامهم ضاربا أعظم مثال وقدوة لكل مقاتل بالجيش المصري .
وبرر الفريق عبد المنعم رياض رأيه هذا بمقولته الشهيرة:» إذا حاربنا حرب القادة في المكاتب بالقاهرة فالهزيمة تصبح لنا محققة. إن مكان القادة الصحيح هو وسط جنودهم وفي مقدمة الصفوف الأمامية».
كما اهتم ببناء الضابط القائد القدوة لجنوده ومن مقولاته :» لا أصدّق أن القادة يولدون إن الذي يولد قائدا هو فلتة من الفلتات التي لا يقاس عليها كخالد بن الوليد مثلا، ولكن العسكريين يُصنَّعون، يصنعهم العلم والتجربة والفرصة والثقة.. إن ما نحتاج إليه هو بناء القادة وصنعهم والقائد الذي يقود هو الذي يملك القدرة على إصدار القرار في الوقت المناسب، وليس مجرد القائد الذي يملك سلطة إصدار القرار. ، وكان يوصيهم :» لا تتسرع في قراراتك وحينما تقرر لا تتراجع ولا تتردد. ولا تكن تقليديا أو نمطيا واسع للإبداع والابتكار.»
بعد هزيمة 1967 كانت له مقولة شهيرة لخص بها صرامته وحدته في وضع الأمور في نصابها في انتقاد خطيئة قادة الهزيمة وهي: «أخطاء الصغار صغيرة ويمكن معالجتها، ما دامت – بغير قصد- وحتى فى حدود ممارستهم لحق التجربة والخطأ.. أما أخطاء الكبار فإنها دائما كبيرة». ومنذئذ تمسك الشهيد عبد المنعم رياض بأن المعركة هي الطريق الوحيد لاسترداد الشرف ، ومن مقولاته الخالدة:« لن نستطيع أن نحفظ شرف هذا البلد بغير معركة عندما أقول شرف البلد، فلا أعني التجريد وإنما أعني شرف كل فرد شرف كل رجل وكل امرأة.»
كان عبد المنعم رياض مؤمنا كل الإيمان بأن الحرب إعداد وبدونه لا يتحقق النصر ، وكان يردد لضباطه  «إذا وفرنا للمعركة القدرات القتالية المناسبة، وأتحنا لها الوقت الكافي للإعداد والتجهيز، وهيأنا لها الظروف المواتية، فليس ثمة شك في النصر الذي وعدنا الله إياه.»
كما أنه كان شديد الإهتمام بالجندي المقاتل، ويحفز ضباطه للاهتمام بمتابعتهم عن قرب قائلا: «اهتم بشئون جنودك ومشاعرهم لا تجعل جنودك حتى في أحلك الظروف واللحظات يرون عليك علامات القلق والارتباك.» وفي زيارة قام بها إلى الجبهة لمقابلة الجنود فى إحدى الليالي الباردة، شاهد جنديا يقف فى حراسته وهو يرتعد من البرد، فتوجه إليه وسأله عن معطفه ؟ فأجابه الجندى قائلا : «لقد أعرته لزميل خرج فى مأمورية»، فما كان من الفريق رياض إلا أن خلع معطفه وأعطاه للجندى ليرتديه، ووجه إليه كلامه قائلا : «فى الصباح لا تنسَ أن تعيده إليّ».
وكان لبصيرته العسكرية السبب في تغيير نظام التجنيد بعد الهزيمة والاعتماد علي المتعلمين وأصحاب المؤهلات العليا ، حيث اقترح إلغاء القرعة فى التجنيد، وقال«إن القرعة تصلح لأوراق اليانصيب، لكنها لا تصلح وسيلة عملية للتجنيد، فالجندى المتعلم يستخدم سلاحه استخداما فنيا صحيحاً ويصونه ويتحد معه، وأيضا لا يستغرق تدريبه أكثر من ربع المدة اللازمة لتجنيد الآخرين، مما يخدم إستراتيجيتنا فى تكوين جيش قوى وعالمى الكفاءة فى أقل وقت ممكن». 
وبالفعل عرض الاقتراح على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذى اقتنع به وحوله إلى قرار جمهوري بتجنيد حملة المؤهلات العليا، وخاض بهم الجيش حرب أكتوبر بعد رحيل الاثنين؛ الزعيم عبد الناصر والشهيد رياض.
من اللافت أن رئيس الأركان الفريق عبد المنعم رياض تنبأ بعدة أمور كشفت مدى تبصره وحنكته السياسية والعسكرية، ولعل أبرزها علي الإطلاق أنه تنبأ بعدوان 1967 قبل وقوعه بشهرين. 
وحذر عبدالمنعم رياض في محاضرة ألقاها في أبريل قبل 1967، بقوله: «لن تكتفي إسرائيل برقعتها الحالية،.. إن الخطوة التالية عندها هي الاستيلاء على الضفة الغربية للأردن، وعلى جنوب لبنان، ولها تطلعات في الإقليمين السوري والمصري … وقد تسعى إسرائيل إلى التفوق النووي، حتى تتغلب على وحدة العرب، وتعوض عن طريق الرعب النووي، التفوق العربي الاقتصادي البشري».
كما تنبأ باحتلال العراق علي أيدي الولايات المتحدة الأمريكية، وحدد السبب والتوقيت . واستشهد عبد المنعم رياض وتحققت النبوءة الثانية بعد موته بعقود. وقال :»إن بترول أمريكا سوف يبدأ في النفاد، وستتوق إلي بترول العراق خلال 30 عاما تقريبا». هكذا كانت نبوءة أو توقع العسكري المحنك عبد المنعم رياض وقراءته لواقع السياسة والصراعات التي تدبر لمنطقتنا، وبعد 22 عاما غزت العراق الكويت 1990 لتبدأ أولى حلقات المخطط الذي استحكم في 2003 ، واحتلت الولايات المتحدة العراق عسكريا بعد ٣٤ عاما من نبوءته، وأسقطت الدولة العراقية حتي اليوم، ووضعت أياديها القذرة على بترول العراق .
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg