رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

ثقـافة الاخـتلاف

بقلم رئيس التحرير

زينب عبدالرزٓاق

    الاختلاف سُنة الله في الكون، لن تستقيم الحياة بدونه، في ثقافتنا هو الرأي والرأي الآخر، فلا تستقيم الأوضاع بدونهما، في القرآن الكريم (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ) سورة البقرة، آية 250 ، وفي القرآن الكريم أيضا (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) سورة الحج، آية 40، وفي الديمقراطيات الحديثة لم يعد هناك مجال للرأي الواحد، أصبح ثقافة بائدة، في الولايات المتحدة الأمريكية حسمها إبراهام لنكولن مبكرا حينما قال: (كانت المعارضة من ورائي سياطا تلهبني، ومن أمامي ضياءً ينير لي الطريق) هكذا تقدموا وهكذا أصبحوا. 

    قرأتُ ذات يوم نقلا عن أحد المهندسين المصريين حينما هاجر إلى كندا، أنه شارك في أول اجتماع له بإحدى كبريات الشركات هناك ضمن مجموعة من نظرائه، كان مدير الشركة هو المتحدث، كلما طرح رأيا أو فكرة، كان المهندس المصري يومئ برأسه مؤَمِّنا على كلامه، على طريقة (موافقين) المصرية، في نهاية الاجتماع طلب منه المدير أن يلحق به إلى مكتبه، فوجئ بالمدير يقول: لماذا لم أسمع لك رأيًا فيما أقول، إن وجودك بيننا يهدف بالدرجة الأولى إلى الاستماع إلى وجهة نظر مختلفة، بل هذا هو الهدف من الاجتماعات عموما، ومن ثمَّ بدأ المهندس المصري حياةً عملية جديدة لم يألفها من قبل. 

      هذا هو الهدف الحقيقي من قيام أحزاب سياسية، هذا هو الهدف من وجود وسائل إعلام وفي مقدمتها الصحافة، هذا هو الهدف من التخصص والدراسة والبحث والتعليم والقراءة، هكذا يجب أن نُربي أبناءنا، وهكذا يجب أن نتعود في حياتنا العامة والعملية على السواء، أكثر من مرة نزل الرسول على رأي الصحابة، حتى إن أحد الصحابة في غزوة بدر الكبرى بعد أن طرح الرسول رأيه سأله قائلا: أهو وحي عليك نزل يا رسول الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال الرسول بل الرأي والحرب والكيدة، فأشار الصحابي برأي آخر وتم الأخذ به. 

     بيد أنه في كل الأحوال، من المهم أن تنطلق المعارضة من قاعدة البناء وليس الهدم، كما ينطلق الرأي الآخر من قاعدة التبصير والتنوير، وليس التبكيت والتنفير، هكذا يجب أن نتعلم، وهكذا يجب أن نُعلِّم الأجيال المقبلة، فلا الرأي الواحد يبني مجتمعات، ولا الاختلاف المقيت يقيم حضارات، وعالميًّا لم يعد مسموحا لا بهذا ولا بذاك، بعد أن أصبح العالم أشبه بقرية صغيرة، تتداخل فيها المصالح كما الأسرة الواحدة، وهو ما يُحتم علينا تقديم النموذج أمام الأمم الأخرى، فما بالنا إذا كنا بصدد الحديث عن مصر، أُم الحضارات، وأُم الثقافات، ليس ذلك فقط، بل هي التي صاغت في العصر الحديث من خلال مفكريها ومثقفيها دساتير العديد من الأمم من حولنا. 

     أعتقد أننا يجب ألا نختلف أبدا حول مساحة الشفافية، ولا شكل التعبير عن الرأي، ولا حجم الديمقراطية، ولا طبيعة الحرية، كل هذه المصطلحات والممارسات يجب أن تصبح من ركائز الحياة السياسية والاجتماعية المصرية، دون مساومة أو خوف أو ابتزاز، العودة إلى الوراء لا تولد سوى العنف، أو على أقل تقدير الكبت، وهو ما نثق فى أنه ليس هدفا على الأقل في هذه المرحلة، في أعقاب ثورتين عظيمتين شهد لهما الداني والقاصى. 

    جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
    راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg