رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

اللغة والتراث والثقافة.. الحاضر الغائب فى وحدة العرب

بقلم رئيس التحرير

زينب عبدالرزٓاق

    أعتقد أنه آن أوان البحث حول كيفية تحقيق التضامن بين الشعوب العربية، بمنأى عن تجربة التضامن الرسمية بين الدول أو الأنظمة، بعد ذلك الإخفاق الواضح خلال السنوات أو العقود الأخيرة لأسباب عديدة، ذلك أن تحقيق التضامن أو تحقيق الوحدة على المستوى الرسمي، قد اعتمد على آليات سياسية شكلية وإعلامية معقدة، أكثر منها ثقافية وتراثية، على الرغم من أن ما يجمع بين هذه الدول أو العواصم من وحدة التراث والثقافة واللغة والدين، كان كفيلا بوحدة عربية حقيقية نابعة من الجذور التي لا تقبل التزييف أو التزوير أو حتى التدليس. 

     كان من المفترض أن تكون وحدة الدين أو العقيدة وحدها كفيلة بتحقيق ذلك التضامن، وكان من المفترض أن تكون وحدة اللغة كفيلة بذلك أيضا، الشعر العربي وحده كان يمكنه تحقيق ذلك من خلال مئات الشعراء منذ الجاهلية وحتى ما بعد ظهور الإسلام، خطباء العرب وما أكثرهم كان يمكنهم ذلك، حكماء العرب كما فلاسفتهم إضافة إلى المبدعين والمؤلفين والملحنين والمطربين أيضا، اللسان العربي بصفة عامة، في نشرات الأخبار كما في البرامج المختلفة، كما في الأعمال الدرامية، كما في الكوميديا، سوف نكتشف بطبيعة الحال أن ما يجمع العرب أكبر بكثير مما يفرقهم، بل يمكن بمزيد من التمحيص أن نؤكد أنه ليس هناك ما يفرقهم أساسا. 

     هي دعوة إلى إعادة التعامل مع العقل العربي من خلال الجذور، سوف نجد أنفسنا أمام وحدة شعوبية حقيقية غير معلنة، أو دون اتفاقيات مسبقة، لا تحتاج إلى جهد أو اجتهاد، وحدة سابقة التجهيز، ورّثنا إياها الأوائل كاملة متكاملة، بل ورّثنا إياها الأنبياء، وقبل هذا وذاك توارثناها جميعا من خلال ذلك الكتاب فصيح البلاغة والبيان، القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين، كان وحده كفيلا بتحقيق هذه الوحدة، دون إنشاء جامعات من أي نوع، ولا منظمات من أي صنف، ولا حتى جمعيات صداقة على أي مستوى، قفزت جميعها على الأصل والفرع، وكل ما كان قائما بالفعل. 

     تراودني هذه القضية كلما توقفتُ أمام نزاع عربي من أي نوع، النزاعات تسللت إلى الشعوب، لم تعد تقتصر على نزاعات العواصم أو السياسيين فقط، لم تعد تقتصر على النزاعات الحدودية أو نزاعات الزعامة، أصبحت في ملاعب الكُرة، كما في منتديات الحوار، كما في مواقع التواصل الاجتماعي، كما في الشارع، كما بين المواطنين والوافدين كما يطلقون عليهم في دول الخليج، كما بين العامل والكفيل، كما في صراعات المصالح. 

     الأكثر غرابة هو أن هذه النزاعات الشعبية تحولت في السنوات الأخيرة إلى أزمة طائفية مقيتة، في غياب العقل الرشيد، ربما لحساب النظم السياسية أحيانا، ولحساب علماء دين متشددين في أحيان أخرى، ولحساب مصالح ضيقة وإملاءات خارجية في معظم الأحيان، إلا أنها في كل الأحوال كارثة تهدد الوجود العربي ككل، لحساب حضارات أخرى استغلت هذا الاهتراء للعودة إلى جذورها من جديد، كالحضارة الفارسية، أو الدولة العثمانية، انطلاقا من إيران وتركيا على التوالي، وهما الدولتان اللتان استطاعتا تحقيق اختراق غير مسبوق في الجسم العربي، بالتوازي مع ذلك الاختراق العبري الحاصل إسرائيليا، والغربي الحاصل أمريكيًّا وبريطانيًّا وفرنسيًّا بالدرجة الأولى، قبل دخول الدب الروسي على خط الأطماع هو الآخر. 

     بالبحث في تراث وثقافة ووثائق العرب، سوف نجد أنفسنا أمام تاريخ حافل بالفخر والعظمة، تاريخ حافل بالعطاء والإيثار، تاريخ حافل بالمجد والسخاء، تاريخ أثرَى كل عقول ومكتبات العالم، فقط يحتاج إلى إزالة ذلك الغبار الذي لحق به خلال نصف القرن الأخير على أقل تقدير، يحتاج إلى قيام القوة الناعمة العربية بدورها في هذا المجال، يحتاج بكل بساطة إلى جامعة شعوب عربية أكثر منها جامعة حُكام..، هي دعوة من خلال (ديوان الأهرام)، دعوة إلى الرجل الرشيد الذي يمكن أن يحمل على عاتقه التصدي لهذه المسئولية، ربما هناك الكثير من الرجال الراشدين الذين -أثق في أنهم كُثُر- أثق في حسن نواياهم. 

     لتكن البداية من أُم الدنيا، لنبدأ قبل فوات الأوان، ليكن الشعار «جمع الشمل العربي» لا يجب الانتظار أكثر من ذلك، المخاطر المحيطة بالأمة العربية لا حصر لها، بالتأكيد سوف ننجح فيما فشل فيه السياسيون، بالتأكيد سوف يتحقق الهدف، يمكن أن تكون البداية من مكتبة الإسكندرية، يمكن أن تكون من الأزهر، يمكن أن تكون من جامعة القاهرة، يمكن أن تكون من مجمع اللغة العربية، المهم أن نبدأ، لن نكون بمثابة حجر عثرة في طريق الأنظمة الرسمية أبدا، بل سوف نكون عاملا مساعدا في تحقيق الوفاق والوئام، لم يعد مقبولا أي اقتتال عربي من أي نوع، بل لم يعد مقبولا أن يكون هناك نزاع من أي نوع، لتكن مسئولية المثقفين الذين صدَّعونا بقعقعة التنظير تلو الآخر على مدى الساعة، دون أن نرى طحنا من أي نوع!! 

    جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
    راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg