رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

أحمد بهاء الدين يكتب: تضليل الثورة!

انظر – أيها القارئ – إلى رجال السياسة، والكتاب، وأصحاب الرأي.. الذين يدعون اليوم إلى الحكم الديكتاتوري.. الذين يريدون التخلص من الأحزاب كلها، أو تحديد عددها، أو يطالبون بمحو الدستور تماما من حياتنا.. انظر إليهم أيها القارئ واستعرض أسماءهم فى ذهنك،وستجد أمرا غريبا: ستجد أنهم هم أنفسهم الذين كانوا يدعون إلى الديكتاتورية والحكم الاستبدادى المطلق، وإيقاف الدستور.. حين كان فاروق ملكا!

ألا يستحق هؤلاء السادة منا الإعجاب الشديد؟ إنهم – كما ترى – أصحاب مبدأ لا يتغير. والذين يقولون إنهم كانوا يخدمون فاروق يظلمونهم! لقد ثبت أنهم يخدمون مبدأ الاستبداد فى ذاته، ويحبون الحكم المطلق مهما كان شخص الحاكم المطلق.. ولقد بلغ بهم شغفهم بالديكتاتورية، وبلغت بهم كراهيتهم لسلطة الشعب أن ارتضوا فاروق – بكل موبقاته – حاكما وسيدا، فما كانوا يحبون فاروق إذن لذاته، بل كانوا يحبونه لأنه كان طاغية مستبدا، يعرف كيف يسلب حقوق الشعب، ويعطل الدستور، ويدفن الحريات.

ولقد فزع هؤلاء السادة وانخلعت قلوبهم يوم خلع فاروق، فلما مضت الأيام ووجدوا أن أحدا لم يحاسبهم على ما سلف منهم،عادوا ينشطون.. عادوا يطالبون بإلغاء الحياة الدستورية وينادون بفكرة الحزب الواحد.. حزب واحد ولا حزب سواه.. لا معارضة ولا مناقشة ولا اختلاف آراء.. ويترنمون بـ«المستبدين العادلين» من هتلر إلى أتاتورك وفرانكوا! فهل تراهم يفلحون؟

يكفى أن أنضع أمام أعين هؤلاء الدعاة حقيقة بسيطة: أن الشعوب ماضية فى طريقها إلى الديمقراطية مضيا لا شك فيه، وقد جربت الشعوب عبثا أنواعا من الحكم المطلق، وخبرت ألوانا من الحكام الفرديين، فلم تجد خيرا من أن تحكم نفسها بنفسها. وقد رأينا بأعيننا صروح الديكتاتورية تتهاوى فى كل مكان.

ومطالبة الشعب المصرى بأن يحكم نفسه بنفسه ليست شيئا مرتجلا، جديدا يسهل إقصاؤه عنه، إنما هى حقيقة قديمة راسخة.. بل هى «العامود الفقري» لكفاح الشعب المصرى منذ عصر محمد على إلى الآن. والحركة العرابية التى تعتبر الجذر البعيد لحركة الجيش الحالية لم تكن إلا مطالبة عنيفة بالدستور. ولكن من يقرأ تاريخنا الحديث قراءة واعية لا يشك لحظة فى أن الشعب المصرى – فى بحر الآلام والنكسات والهزائم والانتصارات – يقترب اقترابا لا ريبة فيه نحو تقرير سيادته.

ورجال الثورة الجديدة – الذين قاموا يقودون الشعب فى هذا الطريق – يعرفون هذه الحقيقة جيدا، وهم قطعا لا يأخذون كلام هؤلاء الدعاة إلا على أنه تملق رخيص، وهذا ما نخالفهم فيه.

إن هؤلاء الدعاة لا يتملقون فحسب، إنهم يلعبون دورا أخطر من ذلك بكثير.. دورا تعرفه الجيوش المحاربة جيدا. دور «المرشدين» الذين يدسون أنفسهم على الجيش المحارب.. يتظاهرون بأنهم يرشدونه إلى الطريق.. وهم فى الواقع يضللونه ويقودونه إلى كمين منصوب، أو إلى متاهة لا خروج منها.

إن هؤلاء الدعاة – باختصار – يضللون الثورة.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg