رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

منذ الفاطميين والمماليك وحتي العثمانيين.. كيف احتفلت مصر بالمولد النبوي الشريف

المصريون لايعرفون سوى الاحتفال بالميلاد ودورة تجدده، والموالد المتعددة فى مصر عبر تاريخها تمثيل لتعدد مظاهر الكون ومحاولة لأسرها وتسخيرها لخدمة الإنسان وطموحاته من أجل حياة أمثل.

ابتدعت مصر الاحتفال بالمولد النبوي على منوال احتفالاتها بالموالد المصرية القديمة، فسبقت بذلك كل بلدان العالم الإسلامي التي بدأت متأخرة في هذا الاحتفال. وقامت بذلك فى حواضرها تاركة للأقاليم الريفية الاحتفال برموزها المحلية كما فى طنطا وكفر الشيخ وقنا الخ. بل كانت بعض هذه الرموز المحلية يحتفل بها في القاهرة كذلك.

كيف تحتفل البلاد بالمولد النبوي؟؟

يحتفل المسلمون بالمولد النبوي  كل عام في 12 ربيع الأول أو 17 ربيع الأول، حيث تبدأ الاحتفالات الشعبية من بداية شهر ربيع الأول إلى نهايته، وذلك بإقامة مجالس ينشد فيها قصائد مدح النبى، وتكون فيها الدروس من سيرته، وذكر شمائله ويُقدّم فيها الطعام والحلوى. كما تحتفل دول عدة فى العالم بذكرى مولد الرسول بشكل رسمي، إلا أن بعض البلدان مثل السعودية لا تحتفل به على أساس أنه بدعة، ولكن بالرغم من ذلك فالسكان الشيعة فى المنطقة الغربية منها وسكان الحجاز السنة فى شرقها يحتفلون به بشكل غير رسمي، حيث يتم إحياؤه بالتجمع وقراءة القرآن والتواشيح الدينية التى تمتدح الرسول. كذلك تحتفل اليمن وسلطنة عمان وبلدان شمال أفريقيا بالمولد النبوي بشكل رسمى وتمنح عطلة بهذه المناسبة.  

الفاطميون والمولد النبوي..

ويرى بعض المؤرخين أنّ الفاطميين فى مصر هم أوّل من ابتدع فكرة الاحتفال الرسمى بذكرى المولد النبوى، كما ابتدعوا غيره من الاحتفالات الدورية. ويصف الدكتور عبدالمنعم سلطان فى كتابه عن الحياة الاجتماعية فى العصر الفاطمى احتفالات المولد آنذاك فيقول: "اقتصر احتفال المولد النبوى فى الدولة العبيدية (الفاطمية) بعمل الحلوى وتوزيعها وتوزيع الصدقات، أما الاحتفال الرسمى فكان يتمثل فى موكب قاضى القضاة حيث تُحمل صوانى الحلوى، ويتجه الجميع إلى الجامع الأزهر، ثم إلى قصر الخليفة حيث تلقى الخطب، ثم يُدعى للخليفة، ويرجع الجميع إلى دورهم. وفى عهد الملك مظفر الدين كوكبورى، كان يحتفل به احتفالاً كبيرًا فى كل سنّة، وكان يصرف فيه الأموال الكثيرة، والخيرات الكبيرة، حتى بلغت ثلاثمئة ألف دينار، وذلك كل سنة. وكان يصل إليه من البلاد القريبة عدد كبير من الفقهاء والصوفية والوعّاظ، والشعراء، ولا يزالون يتواصلون من شهر محرم إلى أوائل ربيع الأول. وكان يعمل المولد سنة فى 8 ربيع الأول، وسنة فى 12 ربيع الأول، لسبب الاختلاف بتحديد يوم مولد النبى محمد. فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئا كثيرًا وزفّها بالطبول والأناشيد، حتى يأتى بها إلى الميدان، فيشرعون فى ذبحها، ويطبخونها. فإذا كانت صبيحة يوم المولد، يجتمع الناس والأعيان والرؤساء، ويُنصب كرسى للوعظ، ويجتمع الجنود ويعرضون فى ذلك النهار. بعد ذلك تقام موائد الطعام، وتكون موائد عامة، فيه من الطعام والخبز شىء كثير.

 المولد النبوي بدءا من المماليك مرورا بمحمد علي والملك فؤاد..

مظاهر الاحتفال بالمولد النبوى فى مصر لم تتغير، خاصة فى الريف والأحياء الشعبية فى المدن الكبرى. فمع بداية شهر ربيع أول من كل عام تُقام سرادقات كبيرة حول المساجد الكبرى كمسجد الإمام الحسين، والسيدة زينب (رضى الله عنهما) تضم تلك الشوادر أو السرادقات زوار المولد من مختلف قرى مصر والباعة الجائلين بجميع فئاتهم وألعاب التصويب وبائعى الحلوى والأطعمة وسيركا بدائيا يضم بعض الألعاب البهلوانية وركنا للمنشدين والمداحين، وهم فئة من المنشدين تخصصت فى مدح الرسول. أقيم المولد لأول مرة فى الفترة المملوكية عام 922هـ، فى عهد السلطان المملوكى "قنصوه الغورى" واتسم وقتها بالبذخ والترف، وفى العام التالى 923 هـ عندما دخل العثمانيون مصر - ألغوا الاحتفال به، لكن الاحتفالات به عادت مرة أخرى بعد ذلك وبشكل شعبى فى الأساس. واهتم "نابليون بونابرت" بإقامة الاحتفال بالمولد النبوى الشريف سنة 1213ه - 1798م، من خلال إرسال نفقات الاحتفالات إلى منزل الشيخ البكرى، نقيب الأشراف فى مصر، وأُرسلت أيضًا إليه الطبول الضخمة والقناديل. وفى الليل أقيمت الألعاب النارية احتفالاً بالمولد النبوى.

المولد النبوى فى القارة فى كتابات المستشرق إدوارد وليم لين كانت صورة المولد النبوى واحدة من الصور التى التقطھا السير وليم بقلمه ولاسيما فى عام 1250ھ - 1834م عھد محمد على باشا، صورة جمعت بين التفصيل والدقة بشكل يثير الدھشة وكان أول مادونه لين عن المولد النبوى ھو الاستعداد للاحتفال الكبير فى الليلة الثانية عشرة من شھر ربيع الأول، فيذكر أنه مع بداية غرة الشھر تعد العدة للاحتفال الذى يقام فى القسم الجنوبى الغربى من بركة الأزبكية، وھناك تنصب خيمة واحدة تعرف بالصيوان وفى وسطھا صارى مشدود بالحبال يقوم الدراويش بالذكر حوله فى حلقة قوامھا من خمسين إلى ستين درويشا. وبالقرب منھا ينصبون القائم وھو عبارة عن أربعة صوارى تعلق بينھا الحبال تتدلى منھا القناديل على ھيئة زھور وكلمات وأسماء الله الحسنى. إلخ. ويذكر لين أن تلك الاستعدادات تستمر حتى الليلة الثانية عشرة من الشھر وعندھا تبدأ الأفراح والاحتفالات، ويجتمع السكان من كل مكان فى الأزبكية، حيث يستمتعون ليًلا نھاًرا بالاستماع إلى الشعراء والمشعوذين والھزليين، وكذلك بالألعاب البھلوانية كاللعب والرقص على الحبل الذى يقوم به الجمبازية والبهلوانات، إلى جانب بعض الأراجيح والألعاب الأخرى.

وفى العصر الحديث، وتحديدا فى عهد الملك فؤاد، انتقلت ساحة الاحتفال إلى العباسية، وتولت وزارة الأوقاف إقامة السرادقات طوال فترة الاحتفالات.

حلوى المولد النبوى

 تعد "حلوى المولد" من المظاهر التى ينفرد بها المولد النبوى فى مصر، حيث تنتشر فى جميع محال الحلوى شوادر تعرض فيها ألوان عدة من حلوى المولد على رأسها السمسمية والحمصية والجوزية والبسيمة والفولية والملبن المحشو بالمكسرات. وهى تعتبر امتدادا للدمى والعرائس التى كانت تصنع فى مصر للأطفال فى المواسم والأعياد عبر العصور القديمة والحديثة. فتصنع من الحلوى بعض لعب الأطفال التى تؤكل بعد انتهاء يوم المولد وهى عروس المولد للبنات والحصان للأولاد وقد ارتبطت ذكرى المولد فى وجدان جميع الأطفال المصريين على مر العصور بهذه العرائس واللعب. وتصنع حلوى أخرى بجانب عروس المولد على شكل حيوانات ومنها" الحصان والجمل". ومن الالتزامات الاجتماعية المرتبطة بالمولد النبوى أن يتم طهور الأولاد فى هذه الذكرى، كما تتم فيها العديد من الزيجات. ويقدم الخطيب لخطيبته " الموسم " وهو عبارة عن عروسة حلاوة غالباً ما تكون كبيرة الحجم ومزركشة بشكل يسر الأنظار، بالإضافة إلى هدية أخرى عينية أو نقدية.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg