رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

"الطربوش" دخل مصر علي يد الأتراك.. وانتهي منها بأمر من "ناصر"

تعد الأزياء مظهرًا من مظاهر الحضارة والثقافة لمعظم دول العالم، كما أنها إحدى العلامات المؤثرة، التى تُعطى انطباعًا حقيقيًا عن شخصية الفرد بشكل خاص والمجتمع بشكل عام.

 ومع مرور الوقت تغيرت وتنوعت الأزياء بخطوطها وألوانها وأبعادها لتواكب التطور الثقافى والاقتصادى للمجتمع. ففى القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين نجد أن الملابس وأدوات الزينة التى كان يرتديها المصريون ما هى إلا عادات متوارثة عن أجدادهم وأُدخلت عليها بعض التطورات التى كانت تناسب كل عصر.

ومن أشهر هذه الملابس «الطربوش» والذى كان بمثابة قبعة للرجال تصنع عادةً من الخيش، واللون المعتاد له هو اللون الأحمر.

روايات عن الموطن الأصلي للطربوش

ويبدو أن أصل الطربوش مغربي، وأنه عُرف هناك كغطاء للرأس منذ قرون طويلة جدًا، ومن أقدم الروايات التى وصلت عنه تلك التى رواها المقدسي، ذلك الجغرافى العربى الذى عاش فى القرن العاشر الميلادى (ت. 375هـ/ 985م)، فقد روى أن أهل فاس فى المغرب يغطون رءوسهم بطاقية حمراء. ومن بعد المقدسى بستة قرون، جاء حسن الوزان (1494 - 1554م) المعروف باسم ليون الأفريقي، وهو من أهل القرن السادس عشر الميلادي، فقال إن أهل فاس من أصحاب المقامات يغطون رءوسهم بطاقية مصنوعة من اللباد الأحمر.

وتتباين الروايات حول الموطن الأصلى للطربوش؛ فالبعض يؤكد أنه النمسا ودخل إلى تركيا فيما بعد، وهناك مَنْ يقول إنه بدأ منذ 300 سنة بالظهور فى بلاد اليونان وألبانيا، واستقر فى تركيا فى ظل الدولة العثمانية وبالتحديد فى عهد السلطان سليمان القانونى (1520 - 1566م). ومع صدور فرمانات تعميم الطربوش على الرسميين من أبناء السلطة فقد تهيبه الكثيرون كزى بروتوكولى إلى أن أصبح زيًا شعبيًا. ويقال إن الطربوش كانت تستخدمه نساء الألبان واليونانيات، ويروى أن أحد الولاة العثمانيين كان فى مجلسه وحوله جوار فقامت إحداهن وهى ألبانية ترتدى الطربوش بوضعه على رأس مولاها مداعبة، فراق له ذلك وبذلك انتقل الطربوش من النساء إلى الرجال.

 وصول "الطربوش" إلى مصر ..

أصبح الطربوش زيًا رسميًا للأتراك ،وعنهم انتقل إلى مصر وغيرها من البلدان العربية. فقد دخل الطربوش بلاد الشام مع الأتراك إبان الحكم العثماني، وانتقل إلى مصر بعد وصول إبراهيم باشا إلى أرض الشام. وقد وصل إلى مصر فى أوائل القرن التاسع عشر على يد محمد على باشا (1805 – 1848م)، فعندما اعتلى العرش كان يلبس العمامة التى كانت لباس الرأس المتعارف عليه عند الأعيان فى ذلك العصر، بينما كان المماليك يلبسون (القاووق) وهو القلنسوة العالية المغطاة بالشاش.

وكما تطورت الأزياء خلال هذه الفترة من تاريخ مصر كذلك تطور لباس الرأس، فأبدل محمد على بعمامته الطربوش المغربي، وهو يشبه كثيرًا طربوش مشايخ الأعراب فى ذلك العصر، وإن كان أضخم منه وأثقل وزنًا دون أن تكون له (خوصة)، بل كانت فى مكانها طاقية من الحرير.

ويبدو أن الفكرة فى ارتداء الطربوش كانت سياسية أكثر منها اجتماعية، فسلاطين تركيا كانوا قد بدأوا يلبسون الطربوش، وكانت مصر فى ذلك العصر ولاية تركية، فكان الولاة يتشبهون بالسلطان فى لباسه، ولذلك ظل الطربوش المصرى العثمانى فى تطور مستمر.

"قرش" أحمد حسين ومصنع الطرابيش..

مع مرور الزمن اشتعلت معركة الطربوش على خلفية معركة أخرى أعم وأشمل بحثًا عن هوية مصر: هل هى فرعونية؟ أم إسلامية؟ أم أنها تنتسب للبحر الأبيض المتوسط ؟ فاكتسب الطربوش فى هذا المناخ دلالة خاصة «قومية» باعتباره رمزًا فى مواجهة قبعة الأوربيين الغزاة. وانبرى سلامة موسى (1887 – 1958) على صفحات «المجلة الجديدة» يذكر المصريين بأن الطربوش من بقايا تبعية مصر للحكم التركي، بينما انقض غيره فى صحف أخرى يلعنون القبعة الغربية ومَنْ يرتديها.

وأصبح الطربوش فجأة تيارًا سياسيًا له هيبة فى الشارع المصري، وفى هذه اللحظة ظهر سياسى شاب هو «أحمد حسين» (1911 – 1982) الذى أنشأ جماعة للشباب الحر تحولت فيما بعد إلى «جمعية مصر الفتاة»،وغايتها: «أن تصبح مصر فوق الجميع»، ودعا إلى مقاطعة السلع الأجنبية واستقلال مصر الاقتصادي. وفيما بعد ألف تشكيلاً عسكريا باسم «القمصان الخضر».  لكن برامج أحمد حسين خلت من أية كلمة عن الدستور والحريات أو إنهاء الاحتلال البريطاني، مما أثار التساؤلات حول نشاط أحمد حسين. وقام أحمد حسين وهو طالب فى السنة الثانية بكلية الحقوق بطرح «مشروع القرش»، وكانت الفكرة أن يتبرع كل مواطن بقرش صاغ واحد ليبنى بالحصيلة مصنعًا للطرابيش. وقد اعتمد فى دعوته للمشروع على أنه عار على المصريين أن يستوردوا لباس رأسهم القومى من الخارج. ووجد المشروع إهمالاً من الصحف إلى أن تبناه إسماعيل صدقى باشا رئيس الوزراء، وأصدر تعليماته بأن تقدم الحكومة للمشروع كل التسهيلات. لكن حزب الوفد المصرى اتخذ موقفًا معاديًا للمشروع وقال طه حسين (1889 - 1973) إنه يخشى أن يكون هذا النشاط الشبابى «هروبًا من ثورة الفكر».

وبلغت حصيلة مشروع القرش فى العام الأول نحو 17 ألف جنيه، وفى العام التالى نحو 13 ألف جنيه وهى مبالغ خرافية بمقاييس الثلاثينيات. وأسفر هذا المشروع فى نهاية الأمر عن إنشاء مصنع للطرابيش بالفعل فى حى العباسية بالتعاقد مع شركة ألمانية، وتم افتتاحه فى 15 فبراير 1933.

كيفية صناعة الطربوش

رأس الزبون فى القالب يبدأ هذا الأمر بأخذ مقاس رأس الزبون، ثم تحضير قالب نحاسا ويوضع فوقه القماش، وهو من نوعيه قماش الجوخ لكى يتحمل فترة طويلة، ويثبت على مكبس خاص وتخيط كسراته من أعلى قبل الكبس، ثم توضع داخله طبقة رقيقة من الخوص والجلد لتثبيت الطربوش، ثم يوضع «الزر» الذى يتكون من الخيوط السوداء، ويتم تثبيته عن طريق كيه وبذلك يكون الطربوش جاهزًا.  وتستغرق صناعة الطربوش الواحد ثلاث ساعات على الأكثر. ويصنع كل طربوش وفقًا لقالب خاص يناسب رأس الزبون، أما فى حال إنتاج كمية بدون قياس فإنه يتم تصنيعها على القالب المتوسط (25 سم) وهو مقاس قطر رأس غالبية الناس.

زر الطربوش وأنواعه..


وكان لون زر الطربوش فيما مضى يدل على مكانة صاحبه، فاللون الكحلى يرمز لطبقة الباشاوات والأمراء، بينما الأسود يرمز للأساتذة والأفندية وأئمة المساجد، أما الزر اللبنى فكان يقتصر على من يقرأون القرآن فى المآتم ويسيرون فى مقدمة الجنازات .

وهناك نوعان من الطرابيش، «طربوش أفندي» وهو ما كان معروفًا قبل ثورة يوليو 1952، والآخر «طربوش العمة» وهو ما كان يرتديه المشايخ وطلاب الأزهر. ومكونات أى طربوش واحدة هي: صوف، وخوص، وبطانة حرير، والزر، والجلدة. ويختلف شكل الطربوش تبعًا لأسلوب صناعته، فالقالب المستخدم به واحد، ومن أنواعه التى عُرفت فى مصر الطربوش المغربي، وقد بدأ قصيرًا فى حجم الطاقية، وأخذ يكبر إلى أن كاد يغطى الرأس حتى الأذنين، ثم الطربوش العزيزى (نسبة إلى السلطان عبدالعزيز) الذى جعله شعارًا رسميًا للدولة، ثم أخذ يتطور فى عهده .

المهنة طرابيشي

هم مجموعة من الحرفيين يعملون معًا على كى الطرابيش ويتضمن عملهم الاعتناء بـ «زر الطربوش» المؤلف من مجموعة من خيوط الحرير الأسود المجدولة التى تُناسب فى لونها معظم الناس. وقد اندثرت هذه الحرفة منذ بداية خمسينيات القرن الماضي، حتى اختفت اليوم بشكل شبه كامل.

كيف ترتدى طربوشك؟

ظل الطربوش غطاءً رسميًا يزين رأس المصريين طيلة القرن التاسع عشر، فقد كان عنوانًا ورمزًا لزمن الوجاهة و"العياقة" فكان يُلبس على بذلة الباشا والأفندي، والطالب، وعلى جلباب التاجر أو أحد الأعيان، وكان إلزاميًا لكل موظفى الدولة من الوزراء، وأساتذة الجامعة، والموظفين، وضباط الجيش والشرطة، وكان جزءًا من الزى الرسمى ولا غنى عنه فى المناسبات الرسمية، ولا فى مكان العمل أو قاعة الدرس. أما الطريقة المثلى لاعتمار الطربوش فهى بجعل الشرابة على الجهة الخلفية من الرأس، وذلك للمحافظة على ملامح الوجه مع ضرورة المحافظة على الوقار. وكان المشاهير والأثرياء يضعون الطربوش فى علبة من الجلد للحفاظ عليه وهى بنفس مقاسه ،وكان الواحد منهم يمتلك فى بيته أكثر من طربوش. وقد اشتهر بعض المشاهير بـ «عوجة الطربوش»، وكتبت عنه الأشعار والأغانى خصيصًا وغنت له المطربات والعوالم.

الطربوش يفقد مقامه تدريجيًا

 حتى أخذ الطربوش يفقد مقامه العالى تدريجيًا، وجاءت أول ضربة أصابته على يد مصطفى كمال أتاتورك (1881 - 1938) الذى أصدر أمرًا بمنع استعماله فى تركيا منذ أن تولى الحكم، ومن ثَمَّ أخذ يتراجع فى سوريا ولبنان وفلسطين. أما فى مصر فقد ظل متربعًا على الرءوس حتى قيام ثورة يوليو 1952، ولكنه لم يلغ رسميًا إلا سنة 1958 بقرار من الزعيم جمال عبد الناصر، لأنه كان بالنسبة للزعيم رمزًا للملكية والفساد والإقطاع، وهكذا سقط الطربوش من صفوف البوليس المصرى وضباط الجيش، ومن ثَمَّ موظفى الدولة، وتبع ذلك عامة الشعب بشكل تطوعى حبًا فى الزعيم جمال عبد الناصر، وفى سنة 1962 اختفى الطربوش تمامًا من الشارع المصري.

 كان فؤاد سراج الدين رئيس حزب الوفد آخر الباشاوات الذين كانوا أوفياءً لهذا الطربوش، الذى لم يعد يظهر إلا فى أفلام السينما والمسرحيات أو المسلسلات التليفزيونية، أو فى الأفراح. كما أن بعض استوديوهات التصوير فى المدن أو الأماكن السياحية تحرص على وضع الكثير من الملابس الشعبية القديمة من ضمنها الطربوش، حيث يحرص الكثير من المصريين والسياح على التقاط صور تذكارية به، حتى أصبح نوعًا من الفولكلور بعد أن كان إحدى سمات المجتمع المصري.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg