رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

الرئيس يتحدث إلى الأهرام ...بقلم محمد حسنين هيكل


جمال عبد الناصر يكشف السياسة الأمريكية تجاه سوريا

السياسة الأمريكية ليست "فاشلة" وليست "ساذجة"

اننى أعرف الحرب الموجهة إلى سوريا فقد وُجهت إلىّ من قبل

إمكانيات مصر كلها تؤيد سوريا سياسياً واقتصادياً وعسكرياً

الأحداث فى الشرق الأوسط تترى بسرعة. المفاجآت بعد المفاجآت، والأزمات لا تكاد تنتهى حتى تبدأ من جديد.

الأنظار كلها مركزة على سوريا تحاول أن ترى كل خلجة، والآذان كلها متجهة إلى سوريا تحاول أن تسمع كل همسة.

ولقد تكلم كل المتصلين بالموقف فى سوريا، تكلم ساسة سوريا، وتكلم ساسة العرب خارج سوريا، وتكلم ساسة العالم خارج المنطقة العربية وكان آخرهم أمس دوايت أيزنهاور.

واليوم يقول جمال عبد الناصر الكلمة الأخيرة فى الموقف.

لقد أجاب رئيس جمهورية مصر عن مجموعة من الأسئلة تقدمت بها "الأهرام" إليه، أسئلة تغطى كل نواحى الموقف المحيط بسوريا.

هذه المحاولات الأمريكية التى يكاد الرأى العام العربى يجمع على فشلها.. ما هو سرها؟ ما هى الحقيقة فى سوريا؟

ما الذى تريده السياسة الأمريكية؟ وما هى أهدافها؟ وما هى اتجاهاتها؟ وما هو موقف باقى الدول العربية وما هو موقف مصر؟

لقد أجاب الرئيس جمال عبد الناصر عن كل هذه الأسئلة، وهذه هى إجابات رئيس الجمهورية المصرية:

- قبل أن أجيب على أسئلتك، دعنى أولاً أسألك: "ما هو الأساس الذى يستند إليه الحكم بفشل السياسة الأمريكية؟"

إن رأيى هو أن السياسة الأمريكية سائرة فى تحقيق الغرض الذى تهدف إليه، بل ربما كان خير ما يتمناه واضعو هذه السياسة، أن يتصور الناس، هنا فى الشرق العربى، أن السياسة الأمريكية فاشلة وأنها عاجزة عن تحقيق أى غرض ولكن ذلك بعيد عن الحقيقة!

ويتعين علينا أولاً أن نحدد أهداف السياسة الأمريكية بوضوح، ثم نحدد مقاييس النجاح والفشل.

إن الحكم على هذه السياسة بالفشل والعجز، هو أول ما يتبادر إلى الذهن، من نظرة سريعة إلى اتجاهات الأحداث، ولكن الأمر فى رأيى يحتاج إلى أكثر من نظرة سريعة..

وفى بداية الضجة المفتعلة التى أثارتها السياسة الأمريكية ضد سوريا، كنت أفكر فى المشكلة، وأطيل التفكير، ووصلت إلى نتيجة اعتقدت أنها المفتاح الحقيقى للسياسة الأمريكية تجاه سوريا، ثم انتظرت التجارب والتطورات، لتؤكد هذه النتيجة، أو لتزعزع إيمانى بها، ولقد جاءت التجارب والتطورات بعد ذلك تؤكدها وتقدم البراهين كل يوم على صحتها.

أمريكا تعلم الحقيقة:

ولقد كانت السلسلة المنطقية للنتيجة التى انتهى إليها تفكيرى، فى موقف الولايات المتحدة تجاه سوريا، تبدأ كما يلى:

هل انحازت سوريا حقيقة إلى المعسكر الشيوعى؟ والجواب على هذا هو النفى قطعاً..

هل يمكن أن تكون المسألة أن أمريكا تتصور - بغض النظر عن صحة هذا التصور أو بطلانه - أن سوريا انحازت إلى المعسكر الشيوعى؟

والجواب على هذا أيضاً بالنفى قطعاً.

إن الولايات المتحدة الأمريكية لديها من إمكانيات العلم بحقائق الأوضاع فى سوريا، وفى غير سوريا، ما يسمح لها بأن تعرف كل الدقائق، وكل التفاصيل... ولقد قابلت بنفسى من المسئولين الأمريكيين، من يعرف زعماء سوريا جميعاً، ومن التقى بهم واحداً واحداً، وتحدث إليهم بلغتهم الأصلية - العربية - وعاش فى بلادهم، يدرس ويراقب عن كثب وليس معقولاً أن يصل الخطأ فى الحكم إلى مثل هذه الدرجة التى توحى بها تصرفات السياسة الأمريكية..

إذن هل يمكن أن يعزى الأمر، فى نهاية اليأس من العثور على حل يستقيم مع المنطق السليم، إلى حد أن ننسبه إلى السذاجة، أو إلى العصبية الأمريكية التقليدية، فى كل ما يتصل عن قرب أو بعد بالشيوعية؟

والجواب على هذا بالنفى قطعاً، فإن الموقف لا يحتمل السذاجة، ولا يحتمل العصبية..

وإذن لا يتبقى إلا أن تكون المسألة خطة مرسومة، مدروسة، تنفذ تفصيلاً بعد تفصيل وبخطوات تعرف مواقع أقدامها..

إسرائيل هى السر:

إذا وصلت بنا السلسلة المنطقية إلى هذا الحد، فما هى النتيجة التى يمكن لهذا كله أن يقودنا إليها؟

إنه يقودنا، مرة أخرى، إلى مشكلة المشاكل فى الشرق العربى وهى:

مشكلة إسرائيل..

إن الهدف الحقيقى للسياسة الأمريكية تجاه سوريا، هو التخفيف عن إسرائيل، وتحويل الأنظار عنها، وتوجيهها إلى أهداف أخرى تتمشى مع مصالح السياسة الأمريكية..

كان الإجماع العربى أن إسرائيل هى الخطر الحقيقى على الدول العربية، وحاولت أمريكا بشتى الوسائل أن تجر العرب إلى صلح مع إسرائيل، فلما فشلت هذه الوسائل، جاء دور الوسيلة الجديدة: خلق أخطار أخرى، حتى ولو كانت أخطاراً صناعية، حتى يتفتت الإجماع العربى، وتتفرق قواه..

عملية التخويف:

بدأت نغمة الخطر الشيوعى، ثم بدأ التركيز على مصر وسوريا، ثم اتجهت كل قوى الضغط مرة واحدة إلى سوريا، ثم ألقيت بضعة ملايين من الدولارات، تطبيقاً لمشروع أيزنهاور لتكون بمثابة الطعم الذى يلقى الصيد، هذا فى نفس الوقت الذى تجرى فيه عملية التخويف، جنباً إلى جنب مع عملية الإغراء..

تخويف الملوك والرؤساء من الخطر الشيوعى..

تخويف الملوك والرؤساء من أن هذا الخطر محدق قريب..

تخويف الملوك والرؤساء من أن هذا الخطر أنشب مخالبه بالفعل فى بلد من بلادهم، ويوشك أن ينقض منها على غيرها، ما لم يتصدوا له، ويخرجوا لقتاله..

وفى هذا سارت السياسة الأمريكية تحاول أن تحقق غاياتها..

واليوم، يقف بن جوريون ليقول إن الخطر الذى يواجه إسرائيل هو مصر وسوريا..

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg