رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

مأتم.. خمسة جنيهات بقلم :عباس العقاد

عباس محمود العقاد

الأصابع الخمس، والحواس الخمس، والصلوات الخمس، والسنوات الخمس، والقارات الخمس والمحيطات الخمسة، هى الخمسات الخالدات التى تمضى الأعوام بعد الأعوام، والأجيال بعد الأجيال وهى لا تزيد ولا يظن أحد أنها قابلة للمزيد..

حتى أذن الله فزادت منه أسبوع خمسة أخرى من الخمسات الخالدات التي سوف تتردد على كل لسان.. وهى الجنيهات الخمسة التى دفعها الأستاذ توفيق الحكيم!

وقبل أن ندخل فى تفصيل هذا الحادث الجلل، نسجل اليوم والساعة والدقيقة التى ولدت فيها هذه الخمسة الجديدة لأنها جديرة بأن تسجل الساعات التى تولد فيها العوالم النادرة والمذنبات الموصوة والطوارق التى لا تخطر على بال فنقول باسم الله ومعونة الله أنها ولدت عند سفح الهرم بمنزل الأستاذ الموسيقار محمد عبدالوهاب، فى منتصف الساعة الحادية عشرة، من مساء الاثنين التاسع عشر من يونيه، لألف سنة وتسعمائة وأربع وأربعين سنة مرت بعد ميلاد المسيح والآن وقد شغلنا بهذا الواجب لحظة، تركنا القارئ فيها فأغرافاه من دهشة العجب نعود إليه فنسمعه يسأل ويكرر السؤال: دفعها الأستاذ توفيق الحكيم؟

أتقول دفعها الأستاذ الحكيم؟

كيف بالله دفعها الأستاذ توفيق؟ كيف بالله! أى والله كيف؟ هو نفسه لا يدرى الآن كيف؟ وأنا أيضا لا أدرى كيف، ولا يدريها أحد من الحاضرين، وقد كان هؤلاء الحاضرون غير قليلين من أصحاب العيون القوية، والعيون الجميلة التى تحسن النظر ولا تشك فيما تراه، لولا أنه خارقة من الخوارق التى تضلل العقول قبل أن تضلل العيون أفقنا من الدهشة على الأستاذ توفيق الحكيم ملقى على كرسيه فى زاوية في الردهة الطويلة، يقلب كفيه ويقلب قبل ذلك عينيه عسى أن ترجع إليه الجنيهات الخمسة بمعجزة سماوية كالمعجزة التى أخرجتها من حوزته،

لولا أن المعجزات لا تتوالى بهذه السرعة فى مكان واحد وفى ليلة واحدة ولو كانت «نقود» تعود إلي مكانها من طول الألفة، لو ثبت هذه الورقة، من وراء الأكياس المغلقة، وعادت إلى وطنها العزيز فى لمحة عين، ولكن النقود لا تكون بنت الدنيا الغادرة وشبيهة أمها فى كل شيء أن حبسها طول الألفة أن تتقلب بين فلان وفلان، وقد كان ما كان، فلا رجعة لما كان، وكيف؟

أى والله قل لى مرة ثانية وثالثة كيف وكيف وكيف؟ الأستاذ توفيق لا يدرى وأنا والله لا أدرى، ولكننا نستجمع الذاكرة من هنا وهناك، ونؤلف بين المتفرقات بين اليمين والشمال، وتسأل شهود الحادث ثم نعيد سؤالهم ليخلص لنا من جميع ذلك أن الحادث قضاء وقدر، وأن عوامل التدبير التى دخلت فيه هو لولا قضاء الله وقدره مصادفات، وإن كانت من أقوى المصادفات براعة الفنانة الكبيرة أم كلثوم ومناورات الحرب التي اقتبست من أحدث طرائف الميادين، وجو الفن وجو التاريخ وقليل من الجو «الاسكتش» الذى يسيل في الزجاجات، ويندر حمله فى هذه الأوقات، ها هو ذا صديقنا الأستاذ بين يدى الفنانة البارعة، وها هى ذى الفنانة البارعة يلهمها الله الذى ألهمها ذلك الغناء الساحر أن تسأله: بكم تتبرع يا أستاذ لنقابة الموسيقيين؟

ويظن الأستاذ أنه المزاح بعينه لأنه لم يألف الجلد علي هذا الأسلوب، فيقول وهو لا يراجع مقاله: بما تشائين! وقع السيد توفيق والله! وهنا أسرع إليه عشرة أصدقاء ليتهم كانوا عشرة أعداء.. فإنهم ما كانوا ليبلغوا منه ما بلغه أولئك الأصدقاء الأعزاء في لحظات معدودات، وابتدأت المناورات علي خطة غير مرسومة ولكنها أمضي إلى الغرض من كل خطة مرسومة، الأستاذ الصاوى يقول: أنا أتبرع بمئة جنيه إذا تبرع الأستاذ توفيق بعشرة، وهذا دفتر الشيكات،

والأستاذ المازنى يقول: لست من أصحاب الأطيان وليس معى دفتر شيكات، ولكننى أتبرع بجنيهين عن كل جنيه يجود به السيد توفيق. والأستاذ عبدالوهاب يخلى الميدان ويتشاغل بالمائدة والكراسى، لكيلا يقال إنه استدرج صديقه إلي كمين مخيف في ذلك المسكن الجميل، وأنه يصوب رصاصة إلى القلب.. والقلب هو الجيب الذى علي اليمين وكاتب هذه السطور يشترك فى المزايدة تارة بالجنيهات وتارة بالكلمات!

وإخواننا الصحفيون وقد كانت منهم نخبة ممتازة في السهرة يتأهبون على قربة من التليفون لتحضر الملحقات في منتصف الليل، إذا وقع المحظور أو وقع المأمول!

وينخدع صاحبنا الحكيم، وتأخذه خديعة الفنان لطبعه فى التمثيل والمحاكاة فيحسب المسألة كلها مزاحا فى مزاح وأمانا في أمان! فما أسرع ما يقول وهو مطمئن إلى عاقبة المقال: طيب قبلت!

- طيب هات!
 

ولا يخذل الأستاذ ظرفة وخفة روحه فيلتفت إلى صديقه الغادر، أحمد الصاوى ويقول له: هات دفتر شيكاتك؟ فغلب على الحاضرين ضحكا ويزيده هذا الضحك طمأنينة إلى طمأنينته فيكثر من الكلام كما يكثر من الحركات والإشارات، وإذا بأول المفيقين من الضحك يقول للسيد توفيق: مالك ولشيكات الصاوى!

ثم ينظر إلى الطاقية التى على رأسه فيقول: أتلبس طاقية زيد لعبيد وطاقيتك انت علي رأسك.. لا يا صاح هات دفتر شيكاتك انت!

- ليس معى دفتر شيكات! وليس معى كيس نقود.

وصدق الأستاذ فهو لم يكذب السائلين قط في جواب.. ليس معه دفتر شيكات ولا كيس نقود.. وليست وعود الليل مما يذكر فى الصباح ولا سيما هذا الوعد الوبيل فقد نجا الأستاذ إذن من هول الساعة وزاده الأمل فى النجاة طمأنينة رابعة إلى طمأنينة ثالثة، فأصبح مرة أخرى لا يبالى ما يقول،لكن الساعة قد أعدت من قديم الأزل لأمر خطير وإذا أعدت الساعة لأمر خطير نفذ المقدور و«جاءت لأهون سبب» كما يقولون فقبل الليلة بأيام معدودات علمت من صديقنا المازنى أن صاحبنا لا يحمل النقود في كيس ولا فى جيب، ولكنه يحملها في علبة النظارة حيث لا يحلم سارق ولا طامع بأنها هناك، وحيث لا يخطر لأحد أن يسرق نظارة لن تنفعه ولن تنفع شاريها بغير القياس المطلوب وهذا فضلا عن الحكمة الاقتصادية الذهبية التي تحصل بثمن واحد على سلعتين مطلوبتين: كيس نقود، وعلبة النظارة! النقود إذن فى علبة النظارة!

ويا له من دليل جديد على قيمة النقود عند صاحبنا الحريص الأديب، فهي والنظر عنده سيان، وهى والبلور طريق النور! فذكرت تلك اللحظة ما أنبأنى به الأستاذ المازنى وناديت فيهم: لا تدعوه يفلت من أيديكم واطلبوا منه علبة النظارة!


وظن الحريص الأديب أننى أقولها اعتباطا أو أقولها وأنا أقصد النظارة التى لا تفيد أحدا من الحاضرين، سارقين كانوا أم ناهبين، أم متبرعين لنقابة الموسيقيين،

فما أسرع ما قال: وهذه علبة النظارة! - وهذه هى الخمسة جنيهات!

لم نعثر بها فورا والشهادة لذكاء الأستاذ الأريب، فقد فتحت العلبة فلم تظهر منها فى أول الأمر غير النظارة ومن ورائها الممسحة المعهودة، وتحت الممسحة ذلك المبلغ المرصود!

سحبه الشيطان حامل العلبة فخيل إلينا أننا نشاهد حاويا من أمهر الحواة، يخلق النقود والخيوط والمناديل من الهواء.

وهكذا ظهرت أحدث الخمسات الخالدات فى عالم التاريخ وهكذا نفذ قضاء الله، ولا راد لما أراد.

ولا يسأل القارئ عن بقية السهرة، فهى فى غنى عن السؤال.. غنت أم كلثوم كأنها قبضت بيديها على كنوز سليمان الحكيم، لا على خمسة جنيهات، وظننا أنها كانت تتغنى بجمال تلك الجنيهات، وأن الأستاذ محمود بيرم إنما نظم الأنشودة غزلا في تلك الجنيهات. وكل يغنى على ليلاه وكانت ليلانا جميعا ولا نخص الحكيم وحده تلك الخمسة الخالدة التى زادت المحيطات الخمسة والقارات الخمس وختمت في آخر الزمان قائمة الخمسات الخالدات وخلاصة الليلة كلها أننا خرجنا شاكرين دهشين نقول للأستاذ عبدالوهاب أقسم بعد الآن وأنت غير حانث أن بيتك هذا قد حصلت فيه معجزة من كبار المعجزات.

والآن ماالعمل يا سيد توفيق وقد كان كل الذى كان؟

عندى مشورة تذكرنى بها قصة جنيهات خمسة كهذه الجنيهات كانت لصاحبنا القديم حافظ إبراهيم، وقد كان حافظ ينفق المال بغير حساب، وأدركته الشيخوخة وليس فى بيته ولا في مكان فوق الأرض أو تحتهما مدخر لأكثر من أسبوع. ثم ألحق بوظيفة فى دار الكتب فأقسم على نفسه ليودعن من مرتبه نصفه على الأقل فى مصرف أمين. واقترب آخر الشهر فإذاالنصف يهبط إلى الثلث، وإذا الثلث يهبط إلى الربع، وإذا الربع يهبط فى أول الشهر إلى خمسة جنيهات.

ويروى أمام العبد رحمه الله والعهدة عليه أن حافظا توسط وتشفع حتى قبلوا منه الجنيهات الخمسة وديعة في بنك الكريدي ليونيه. وأن حافظا ذهب إلى فراشه أول ليلة وهو لا يستقر على الفراش من هذا الوسواس الجديد. ماذا يجرى للبنك يا ترى وفيه تلك الجنيهات؟ اذهب إلى البنك يا حافظ ولا تسلم عينيك للنوم قبل أن تطمئن عليه. وذهب حافظ إلى البنك يدور حوله، وبعيد الدوران، ولا يهون عليه أن يقتلع قدميه من ذلك المكان قبل أن يمتلىء قلبه بالاطمئنان حتى استراب فيه الجندى الحارس ولبس فى ملابس الشارع الكبير ما يدفع الريبة، فسبق إلى ظنه أنه لص يحوم حول الأبواب والجدران ليتسلل إليها فى غفلة من الحراس! وتلطف حافظ قبل أن ينهره الجندى الحارس بكلمة أو بصيحة من صيحات الليل فمشى إليه وتودد له وقدم له سيجارة فاخرة وسأله: اانت حارس البنك وحدك؟ قال: نعم وحدى! قال: وحدك بمفردك وفيه خمسة جنيهاتى؟ سألتك بالله إلا ما أخذت بالك من هذه الجنيهات ولا عليك من أموال أولئك المرابين وأصحاب الملايين!

ويخطر لنا أن نقابة الموسيقيين ستحظى من صديقنا الحكيم بمثل هذه العناية ومثل هذا الدوران بعد حادث يوم الاثنين الغابر، بل يخطر لنا أنه سيلزم النقابة لزوم أهل الصناعة وسيرفع عنايته بالموسيقى من مقام الهواة إلى مقام المحترفين. وحتى أصبح موسيقيا محترفا فله على النقابة حقوق يربح بها ولا يخسر، ويعتمد فيها على النقابة فى كل خصم وتنزيل من المشتريات والمعاملات، وهو منذ يوم الاثنين الغابر من المشتركين العاملين.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg