رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

من الفراعنه إلى الرؤساء ..."البريد" حامل رسائل التاريخ

فى عصر التكنولوجيا والتواصل الاجتماعى وثورة الإنترنت، يبقى البريد شاهداً على تاريخ عريض من حياة البشرية، فقد ظل عصوراً طويلة يحمل قصص الحب والانتصارات والهزائم ويحدد مصائر الشعوب، كما كان وسيلة لتبادل الثقافات والحضارات عبر القارات.

ويقف البريد المصرى شامخا بتاريخ ممتد فقد قام الفراعنة بتنظيم البريد خارجيا وداخليا، واستخدموا "سعاة" يسيرون على الأقدام يتبعون ضفتى النيل فى ذهابهم وإيابهم فى داخل البلاد ويسلكون إلى الخارج عبر الطرق التى تسلكها القوافل والجيوش، وفى عصر البطالمة ظهر البريد السريع لنقل رسائل الملك ووزيره وكبار موظفى الدولة، وظل هذا النظام متبعاً حتى الفتح الإسلامى، فاهتم العرب بالبريد واستخدموه فى نقل الأخبار إلى الخليفة.


وقد استعار العرب كلمة "بريد" من الفارسية وهى تعنى بالعربية "مقطوع"، وتعود القصة في إلى أن "داريوس" الملك الفارسى أراد فى عصره أن يميز البغال التى تحمل البريد فأمر بقطع أذنيها حتى يعرفها الأهالى ولا تستخدم فى غير نقل البريد، فكان الأهالى يطلقون على هذه البغال "بريد ذنب " أى "قطوع الذنب" وقد أخذ العرب هذا الاصطلاح وأطلقوه على البريد ويقال إن معاوية بن أبى سفيان أول من نظم البريد فى الإسلام كما اهتم المماليك بالبريد وأقاموا فى كل محطة للبريد "خان" أو بيت صغير للمبيت وألحقوا بها حظائر للجياد.

كما يعتبر محمد على أول من فكر فى إنشاء البريد لنقل الرسائل الرسمية فى العصر الحديث فقد اتبع نظام الإدارة المركزية فى مصر، لذا كان حريصا على سرعة الاتصال بموظفى حكومته لإصدار التعليمات لهم وتلقى التقارير، فأنشأ "مصلحة المرور" وأقام محطات للبريد بين العاصمة وأهم مراكز القطر المصري، أما البريد الخاص فى ذلك العهد فكانت له مكاتب غير حكومية تقوم بتوزيع تلك الرسائل.

إسماعيل وظهور الطوابع

وسار أبناء محمد على نهج والدهم فى الاهتمام بالبريد، لكنهم لم يفكروا فى الاستفادة من هذه الوسيلة العظيمة التى ورثوها عن الفراعنة.

أما الأجانب الذين يعيشون بالقاهرة والإسكندرية فقد أدركوا قيمة وجود تلك الوسيلة فى ذلك العصر وقرروا احتكارالبريد الخاص بمراسلات الأهالى، وفى سنة 1862 حصلت البوسطة الأوروبية على امتياز لمدة عشر سنوات من الحكومة المصرية، وصار لها الحق فى نقل البريد على جميع الخطوط الحديدية، وأنشأ الإيطالى كارلو ميراتى "إدارة بريد لحسابه الخاص كانت تقوم باستلام وتصدير الرسائل المتبادلة بين مصر والخارج نظير أجر، ولما اتسعت أعمال هذه الإدارة بدأت تقوم بنقل البريد بين القاهرة والإسكندرية بنظام دقيق وكان مقرها بميدان "المنشية الصغري" بالإسكندرية أو ميدان القناصل (ميدان سانت كاترين) ولما توفى كارلو ميراتى فى سنة 1842م خلفه ابن أخته "تينى كينى" بالاشتراك مع صديقه "جياكو موتسى".

حتى جاء الخديو إسماعيل ووضع اللمسات الأهم فى تاريخ البريد المصرى، وقرر شراء البريد من جياكومو موتسى وتحويله إلى مصلحة بريد أميرية، وفى 1866 أصدر فرماناً تاريخياً هذا نصه: "ولما كان فى استعمال طوابع البريد بدلا من الأجرة كما هو جار فى أوروبا ولما فيه من سهولة وفائدة فقد طبعت طوابع البريد اللازم استعمالها وتداولها فى هذه الديار بأوروبا بإشراف موتسى بك مأمور إدارة البريد المصرى واستحضرت أخيرا، ولما كانت هذه الطوابع قائمة مقام النقد بأن تتداول فى الأخذ والعطاء بقيمها المقررة فقد أوحينا الأمور المشار إليه بأن يسلم الطوابع المعلوم مقدارها التى استحضرها إلى المالية لتحفظ بها تمهيدا لأخذ المقدار الذى يحتاج إليه من المالية أولا فأول، وتقديم الإيصال من الذى يأخذها من خزينة ديوان الأشغال العمومية إلى المالية كلما ورد على الخزينة المشار إليها الأثمان المتجمعة من صرف الطوابع المذكورة، وقد أصدرنا أمرنا هذا لتنفذوا مقتضى ما أسلفنا فيه".

ولم يكتف إسماعيل بذلك، وراح يفكر فى حلول للمشكلات التى تواجه الجماهير، ففى عهد البوسطة الأوروبية كان المواطن يضطر إلى أن يتسلم الخطابات من مكاتب البريد الرئيسية، فأصدر قراراً بوضع 13 صندوق  فى مناطق مختلفة توضع فيها الخطابات المرسلة إلى مدن الوجه البحرى أما الخطابات الموجهة إلى الوجه القبلى فكان يقتضى تسليمها إلى مكاتب البريد وعممت المصلحة نظام الصناديق فى سنة 1871 وبلغ عددهم فى ذلك العام 5000 صندوق.

وفى عهد إسماعيل ظهر الابتكار الأهم فى مسيرة البريد وهو "طابع البريد"، الذى أتاح للجمهور إرسال الخطابات من دون الحاجة إلى الذهاب إلى المكاتب والحصول على الختم مقابل دفع النقود، وظهرت طوابع برسومات الأهرامات والهلال والنجمة، ورسم لأبى الهول، عام 1914م، استبدل منظر أبى الهول والهرم بمجموعة من الصور والآثار وعندما أعلن استقلال مصر زينت الطوابع بصورة الملك فؤاد الأول ثم الملك فاروق وكان الخطاب المرسل من القاهرة إلى الخارج يرسل أولا إلى الإسكندرية بطابع مصرى ثم إلى الخارج بطابع خارجى.

وقد ألغى مؤتمر البريد فى سنة 1874 هذا الوضع واعترف بالطوابع المصرية، وشهدت البريد تطورات عظيمة فيما بعد، وتم إنشاء متحف لمصلحة البريد يجمع وثائقها، ويرجع الفضل فى إنشائه إلى الملك فؤاد الأول وإلى رغبته فى توثيق بعض الأحداث التاريخية، وتحقيقا للرغبة الملكية أفردت مصلحة البريد لمتحفها جناحا خاصا فى الطابق الأول من إدارتها العامة يتكون من قاعتين وبهو وصالة واهتمت المصلحة بافتتاح المتحف قبل انعقاد مؤتمر البريد بمدينة القاهرة 1943.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg