رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : زينب عبد الرزّاق

إقرأ في مجلة ديوان عدد يناير ٢٠١٩ .. العدد ٣٧
هكذا تكلم الطالب عبدالحليم عابدين.. من ذكريات ثائر سابق فى مثل هذا العام منذ مائة عام هب شعب مصر رافضًا استمرار الاحتلال، ومطالبًا بالإفراج عن زعمائه الذين اعتقلتهم بريطانيا ونفتهم لأنهم يطالبون بالجلاء، وقد كان طلاب المدارس هم وقود هذه الثورة، وهم من أشعلوا الغضب فى الشوارع والصدور. ولما كانت صحيفة " الوطن" هى أكثر الصحف تعاونًا مع سلطات الاحتلال، فإنها كانت صاحبة السبق فى نشر أنباء اندلاع الثورة مساء الإثنين 10مارس، وتلتها بقية الصحف فى يوم 11 مارس 1919، وقد أدانت الصحف الموالية للإنجليز مثل "الوطن " و"المقطم" المظاهرات وجردتها من بواعثها الوطنية، وحثت الطلبة على الابتعاد عن الثورة وعدم مسايرة المخربين، أما الصحف الوطنية – ومنها "مصر" و"الأهرام" و"المحروسة"– ففرقت بين التظاهر السلمى وأعمال العنف ونصحت الجميع بالهدوء.
بحكايات عائلة السيد أحمد عبدالجواد . .«تاريخ الثورة محفوظ» "أعتبر نفسى من براعم ثورة 1919"، هكذا وصف نجيب محفوظ نفسه فى مذكراته التى جمعها رجاء النقاش تحت عنوان " نجيب محفوظ.. صفحات من مذكراته وأضواء على أدبه وحياته"، ويوضح محفوظ ( 1911 - 2006 ) الأمر بأنه إذا كان للثورة رجالها الذين قادوها وشبابها الذين اشتركوا فيها، فهو من البراعم التى تفتحت وسط لهيبها.
بينهما نشأ الفتى إحسان روزا.. والشيخ رضوان الجد الأزهرى والأم المتفتحة صنعا عقلية عبدالقدوس المتوازنة
يقول المؤرخ الكبير د. يونان لبيب رزق: "كان تشكيل مصطفى فهمى الوزارة انتصارًا كاملًا لتغلغل الاحتلال البريطانى فى الشئون المصرية، وإذا كانت معركة التل الكبير فى سبتمبر 1882 تسجل استسلام مصر العسكرى للغزو البريطانى، فإن تشكيل وزارة مصطفى فهمى بعد ذلك بتسع سنوات يسجل استسلامها السياسى الكامل للاحتلال".وهكذا نشأت صفية زغلول بين جدران منزل كان دائمًا حليفًا للمستعمر الإنجليزى، حتى وصف المؤرخون والدها مصطفى باشا فهمى الذى كلف برئاسة الوزارة لثلاث مرات فى عهد الاحتلال بالحليف القوى للإنجليز
يجمع الباحثون فى التاريخ على أن ثورة 1919 كانت أول ثورة شعبية بقيادة مدنية، وذلك تمييزا لها عن الثورة العرابية (1881-1882) وثورة يوليو 1952 التى كانت قيادة كل منهما من ضباط الجيش. كما كانت ثورة 1919 أول حدث جمع المصريين على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم وأصولهم وراء شعار "الاستقلال التام أو الموت الزوءام". وكان المجتمع المصرى فى أواخر عام 1918 ومطلع عام 1919، قد تطور كثيرًا عما كان عليه فى أوائل سنوات الاحتلال، نتيجة النهضة العلمية والأدبية التى شهدها المصريون، واتساع المدارك، ومشاركة المرأة فى الحياة العامة، مما جعل المجتمع أكثر تطلعًا إلى المثل العليا وأشد تبرمًا بالظلم الاستعمارى. ولأن الثورة كانت ضد الإنجليز فقد ارتدى المصريون ثوب الوحدة الوطنية دون تعصب طائفى دينى أو مذهبي.
مقاه بنكهة الجموع ...كيف نضجت جذور 1919 علي القهوة المقهى روح المدينة الحديثة فيها لا يجتمع الناس لتناول الشاي والقهوة، بل يجتمعون لإدارة حياتهم.. وكم من الصفقات التجارية بيعا وشراء تمت على إيقاع دخان النارجيلة وصوت النرد.. وكم من القصائد طاردت دخان المقاهى وهى تطلع من أقلام الشعراء.. لكن المقهى فى 1919 ارتدى ثوبا جديدا فى مصر وصار مكانا للثورة.. دخانه غضب ونرده لا يعتمد على ضربة حظ
«كلما ارتقى الإنسان كان أكثر حرصا على أن يواجه الحقيقة بنفسه، وكلما ظل متأخرا ظل يهرب من الحقيقة وهى تلاحقه إلى أن تنتصر عليه».. مبدأ كان من أكثر ما جذبنى لأدب إحسان عبد القدوس، فلم تكن «أنا حرة»، ولا سيمفونية التحرر التى عزفها من أجل نساء عصره ومن يجئن بعدهن، على أهميتها، هى دافعى الوحيد لاحترام ذلك الأديب الكبير وحبه أدبيا وإنسانيا، وإنما هى تلك القيمة الإنسانية الثمينة التى جعلته يرد على الرئيس جمال عبد الناصر عندما اعترض على روايته «البنات والصيف»، بأن «الواقع أقبح من ذلك»، هى تلك الشجاعة فى قول الحق، أو ما يراه حقا، فى الأدب مثلما فى الحياة التى خاض ميادينها صحفيا وفارسا وأديبا. هذا هو إحسان عبد القدوس كاتب الحب وصانع الحرية، ولذلك كان من حقه على»ديوان الأهرام» أن تحتفل بمرور مائة سنة على ميلاده، فسيبقى إحسان عبدالقدوس فى تاريخنا السياسى والصحفي والأدبى نموذجًا للشخصية القوية الفعالة التى كان لها فى عصرها (والعصور التالية) أعظم القيمة والتأثير، وسوف يبقى موضوعًا لدراسات كثيرة متنوعة ما بقى لنا فكر وأدب وإنسانية وكفاح وحركة وطنية نابضة بالحياة ......المزيد
مينا هاوس ....فردريك وجيسى هيد عشقا الفراعنة فسميا الفندق باسم موحِّد القطرين قد تكون الجدران هى المؤرخ الصادق على تاريخ الشعوب والشخصيات التى تركت بصماتها على أحجارها وربما تحكى عن شخص غيّر مجرى الأحداث، وربما تحفظ الأثر أكثر من ألف دفتر وقلم، ففى رحابها دارت المفاوضات، وخلف أبوابها المغلقة – ربما - نسجت المخططات والمؤامرات وكتبت مسودات المعاهدات. ومن هذه الجدران يبقى فندق " مينا هاوس" علامة فارقة وشاهدا على مجريات الأحداث فى حقبة زمنية مهمة فى تاريخ مصر والعالم كله.
كان النفى دائمًا منذ القدم وحتى أوائل القرن العشرين سلاحًا ماضيًا للقتل السياسى دون نقطة دماء، والسبب فى ذلك هو عدم وجود وسيلة اتصال لتنقل أخبار السياسيين المنفيين إلى شعوبهم وتنقل أخبار الوطن لهؤلاء السياسيين، وربما كانت مفارقة لكنها دالة بصدق على أثر النفى الطويل للسياسيين أن الزعيم الراحل محمد فريد الذى حمل شعلة النضال للحصول على الاستقلال بعد الزعيم مصطفى كامل توفى منسيًا فى منفاه فى برلين عام 1920 وأرض مصر تشتعل بثورتها التى يقودها زعيم آخر، لذلك كان تشكيل سعد زغلول ورفاقه للوفد، وجمع التوكيلات التى منحته شرعية التفاوض باسم مصر فى مؤتمر باريس، سببًا كافيًا للحاكم البريطانى كى يصدر أوامره باعتقالهم ونفيهم خارج البلاد كأقصى عقوبة يمكن أن يتعرض لها سياسى أو مناضل يرتبط بقضايا شعبه.
مينا هاوس ...رائحة التاريخ.. والياسمين
هل كانت 1919 ثورة سلمية قوامها المظاهرات الحاشدة تحت شعار الهلال يعانق الصليب؟ وهل كان الزعيم سعد زغلول المعجزة التى اتفقت عليها جموع الشعب المصرى ولم يعارضه أحد؟ الإجابة عن السؤالين: لا بكل تأكيد، والتفاصيل لا تحتاج إلا لإعادة قراءة سيرة رفاق سعد الذين أحاطوه فى رحلة الثورة من الوفد، للمعتقل، للمنفى، للانشقاق أو تحت الأرض فى العمل السرى، الوجه الآخر للثورة الذى تنكر له سعد علنًا ودعمه سرًا.. "ديوان الأهرام" تقدم صفحات مجهولة وتعيد قراءة صفحات أخرى لرجال حول الزعيم سعد زغلول لم يأخذوا نصيبهم من الضوء بعد مائة عام من أم الثورات.
إذا كانت الثورات تلد مبدعيها، الذين يزكون نارها ويشكلون الوجدان الجماعى الثائر، ويحشدون طاقات ومشاعر الجماهير لتصبح الثورة واقعا مفهوما ومؤثرا، فمن هنا كان للشعر والشعراء فى مصر قبل وفى أثناء ثورة 1919 دورهم القيادى والمهم فى إيقاظ وعى الجماهير واستثارة الحماسة فى نفوسهم، وإلهاب الحمية في صدورهم، خصوصا بعدما أصبحت فضيلة الانتماء الشعبى هى أعظم فضائل ذلك الزمان، حيث كان على جميع طبقات الشعب أن تتضافر فى مواجهة الاستعمار، وكان على المثقفين أن يتكلموا بلغة الشعب الدارجة، مستلهمين روحه وآماله وطموحاته، لتجد خطبهم وكتاباتهم وأشعارهم صداها بين جموع الشعب، محدثة تجاوبا سهلا ميسورا لدى معظم طبقات الشعب العاملة، ولعل هذا ما جعل الغلبة والسطوة لشعراء العامية فى فعاليات الثورة (بديع خيرى – بيرم التونسى .. وغيرهما)، حيث ردد المتظاهرون أشعارهم وأغانيهم وأناشيدهم وهم يجوبون الشوارع.
ولدت تحية كاريوكا فى 22 فبراير 1919 بمحافظة الإسماعيلية، وتوفيت فى 20 سبتمبر 1999، واحتفالًا بمئوية ميلادها لم نجد ما هو أروع من مقال المفكر الكبير إدوارد سعيد الذى نشره فى بداية التسعينيات من القرن العشرين، لنعيد نشر أجزاء منه تقديرًا لهذه الفنانة التى تجاوزت بالرقص الشرقى حدود معناه ومفهومه المتعارف عليه لسنوات طويلة ليصبح فنًّا معتبرا، حتى يمكن القول باطمئنان إن كاريوكا غيرت نظرة المجتمع للراقصة.
نحتفل هذا العام بالمئوية الأولى لثورة 1919؛ ودومًا ما يثار فى الأحداث الكبرى السؤال المشروع عن دور الفرد القائد ودور الجموع فى صنع الحدث، وعند الحديث عن ثورة 1919؛ فإننا نقف أمام حراك شعبى واسع استمر على مدى سنوات أربع، وأمام زعامة نجحت فى أن تلتقط اللحظة التاريخية وتقود حركة الجماهير.
فى 9 مارس من 2019 تمر مائة عام على «الثورة الأم».. ثورة 1919، نبتة الليبرالية المصرية وثمرتها فى الوقت نفسه، وهى التى وصفها الرافعى بأنها كانت ثورة سياسية بكل معانى الكلمة، فلم يشبها تعصب دينى أو صراع طبقى أو اجتماعى، بل كان رائدها الوحدة القومية.. وحدة التكوين.. ووحدة الهدف، حتى أن سعد باشا زغلول تحدث عن الغرض من تشكيل حزب الوفد مستهجنا: «إن الذين يقولون إننا حزب يسعى للاستقلال.. إنما يلمحون إلى أن هناك حزبا آخر لا يسعى للاستقلال».. فالرغبة فى الاستقلال والخروج من التبعية كانت هدفا لكل المصريين على اختلاف رؤاهم وتوجهاتهم. وفى هذا الملف تستعرض «ديوان الأهرام» الحركة السياسية المصرية قبل وفى أثناء الثورة، كما تستعرض الحراك الفنى والأدبى، ودور المرأة المصرية فى النضال ضد المحتل، إضافة إلى شركاء سعد زغلول فى الكفاح .. وغير ذلك من أسرار وحكايات ثورة 1919 المجهولة أوالمنسية، والتى نضعها بين يدى القارئ .. وثيقة للتاريخ.
    جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
    راسلنا على البريد الإلكتروني diwan@ahram.org.eg